الأربعاء 17 حزيران 2026 (اليوم الـ 110 للحرب)
في اليوم العاشر بعد المئة من اندلاع الحرب، تتكشف تدريجياً فصول ما يبدو أنه “مسرحية ترامبية – إسرائيلية” متقنة، أو ربما تخبط حقيقي داخل الكيان المحتل في مواجهة الإملاءات الأمريكية. فبينما تعلن واشنطن استمرار تدفق الحوافز والوعود بإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار، تتسارع وتيرة “الضم الزاحف” والقصف المدفعي الإسرائيلي في جنوب لبنان، مما استدعى تحذيراً شديد اللهجة من مقر خاتم الأنبياء الإيراني، ووضع إدارة ترامب أمام اختبار حاسم قبل موعد التوقيع في جنيف يوم الجمعة.
أولاً: خديعة اللحظات الأخيرة والرسائل المزدوجة
لا تزال الأجواء الإقليمية ملبدة بالشكوك حول النوايا الأمريكية والإسرائيلية الحقيقية:
ضبابية المضيق وتصعيد النوتامات: على عكس الإعلانات الأمريكية المتفائلة، رصدت الأجهزة الملاحية استمرار تحليق طائرات التزويد بالوقود جواً في سماء الخليج. والأهم من ذلك، أن طهران أبقت على تحذيرات الإغلاق الجوي (النوتام) فوق سواحلها الجنوبية والغربية، مما يؤكد أن القيادة الإيرانية تتعامل مع الوعود الأمريكية بـ “عدم ثقة مطلق” وتبقي أصابعها على أزرار التحكم بالمضيق حتى التنفيذ الفعلي الموثق.
تسريبات بلومبرغ والتعديل المحتمل: أشار مصدر مطلع لبلومبرغ إلى أن التفاصيل الفنية للمذكرة “لا تزال قيد الإعداد”، مما يفتح الباب أمام تعديلات اللحظة الأخيرة. هذا التلكؤ دفع المتابعين للتساؤل: هل نحن أمام خديعة أمريكية-إسرائيلية مشتركة لكسب الوقت، أم أن واشنطن تضغط سراً لتمرير مطالب الكابينت الإسرائيلي؟
وعود ترامب واستياء المؤسسة الأمريكية: رغم إعلان ترامب للرئيس القطري عن التوصل لـ “اتفاق عادل”، نقلت “وول ستريت جورنال” أن الإعفاءات النفطية لطهران جاهزة ومربوطة بالاستجابة في مضيق هرمز. وفي المقابل، أجهض الديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي محاولة لتقييد صلاحيات ترامب الحربية بفارق صوت واحد، مما يعكس استمرار الانقسام الداخلي الأمريكي حول إدارة الأزمة.
ثانياً: التخبط الصهيوني.. عويل وزراء الكابينت وقمع الميدان
يعيش المستوى السياسي والعسكري الصهيوني حالة انفصام غير مسبوقة، تتمثل في تصريحات نارية يقابلها خضوع ميداني للأوامر الأمريكية:
تمرد سموتريتش وإلكين: أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بتحدٍ واضح أنه “لا انسحاب من لبنان يوم الجمعة أو بعده”، مشيداً بنتنياهو الذي يوازن بين الضغوط الغربية ومطالب اليمين. وكرر الوزير زئيف إلكين ذات الموقف، مؤكداً رفض إسرائيل المطلق للانسحاب. بل واعتبر الوزير عميحاي شيكلي أن مجرد التراجع إلى الخط الأزرق (وليس الانسحاب الكامل) يُعد “إخفاقاً وفشلاً” لإسرائيل، مطالباً بالبقاء في النقاط الاستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية.
الخضوع الميداني للأوامر الأمريكية: رغم هذه العنطزة السياسية، كشفت القناة 14 العبرية (عبر المحلل هيلل بيتون روزن) عن حقيقة مروعة للشارع الصهيوني؛ حيث فُرضت قيود خطيرة ومذلة على القوات في جنوب لبنان تمنع أي عمل هجومي دون موافقة شخصية من قائد المنطقة. والأخطر، أنه تم إلغاء عمليات تدمير بنى تحتية كبرى في الأيام الأخيرة “بسبب المعارضة الأمريكية المباشرة”، مما أدى إلى “انخفاض ملموس” في عمليات الجيش الإسرائيلي باعتراف مصدر أمني للقناة 12.
رعب الانسحاب يوم الجمعة: اعترفت القناة 13 العبرية ومصادر في “هآرتس” بأن جيش الاحتلال يخشى من ضغوط أمريكية هائلة ستُمارس عليه لتنفيذ انسحاب فعلي أو التراجع إلى “الخط الأصفر” بحلول موعد التوقيع في سويسرا يوم الجمعة. هذا الرعب قابله اعتراف من ترامب بانتقاده لأسلوب الجرائم الإسرائيلية في لبنان وتدمير المباني السكنية المكتظة، ما يؤكد تآكل الغطاء الأمريكي لسياسة “الأرض المحروقة”.
ثالثاً: جنون المدفعية الإسرائيلية وإنذار “خاتم الأنبياء” العاصف
في محاولة للتهرب من القيود الجوية الأمريكية والالتفاف على وقف إطلاق النار، لجأ جيش الاحتلال إلى تكتيك “الضم الزاحف” والقصف المدفعي الهستيري، وهو ما أدى إلى تفجير الموقف مجدداً:
ليلة القذائف الهستيرية: أطلق الاحتلال أكثر من 170 قذيفة مدفعية ثقيلة طالت أحياء النبطية، كفرتبنيت، الفوقا، ميفدون، شوكين، وحي الراهبات، مترافقاً مع اشتباكات عنيفة في القطاع الغربي ومحيط كفرتبنيت.
إنذار إيراني مزلزل: لم تتأخر طهران في الرد السياسي والعسكري؛ حيث أصدر مقر “خاتم الأنبياء” المركزي تحذيراً عاصفاً فضح فيه انتهاك إسرائيل لوقف إطلاق النار 84 مرة خلال 48 ساعة فقط. وتوعد المقر بأنه: “إذا لم يكف جيش الكيان الصهيوني القاتل للأطفال عن شروره، فعليه أن يتوقع رداً قاسياً من القوات المسلحة الإيرانية الجبارة”. هذا التحذير، الذي جاء قبل انعقاد الكابينت الإسرائيلي، أجبر جيش الاحتلال على التراجع بعد أن أطلقت المقاومة صواريخ نحو قواته المتقدمة، حيث كشف الإعلام العبري (هادي قبيسي) أن الجيش الإسرائيلي “ممنوع من الرد بتعليمات أمريكية ولذلك تراجع”.
رابعاً: دروس استراتيجية.. نموذج التحالفات وسقوط الرهان على واشنطن
تسجل هذه الحرب درساً جيوسياسياً أعمق من المعارك اليومية؛ فقد فضحت واشنطن حقيقتها كـ”حليف ظرفي” يتخلى عن أقرب وكلائه (إسرائيل) فور تعارض مصالحها الكبرى. وكما أشار تحليل الخبير الأمريكي ستيفن كوك، فإن الحرب كشفت حدود النفوذ الأمريكي وقد تؤدي لانسحاب واشنطن من دور “ضامن الأمن” في المنطقة ونهاية حقبة “مبدأ كارتر”.
في المقابل، أثبتت إيران، من خلال ربط مصير لبنان بالاتفاق ورفضها المقايضات المغرية، نموذجاً راقياً للالتزام الاستراتيجي والأخلاقي مع الحلفاء، وهو درس قاسٍ لكل من راهن في الداخل اللبناني وخارجه على واشنطن.
الخلاصة والمآلات المتوقعة للجمعة الحاسمة:
المنطقة الآن تسير على حبل مشدود بين إرادة إيرانية حاسمة لا تحتمل المناورة، وإدارة أمريكية تلهث لإنقاذ مصالحها (كما يتضح من تحفيز قطر لصندوق استثماري بـ 300 مليار دولار لإيران)، وحكومة إسرائيلية مأزومة تبحث عن نصر وهمي تحت وابل من القذائف العشوائية.
إذا ظن نتنياهو وسموتريتش أن القصف المدفعي المتقطع سيحفظ ماء وجههم أو يلغي مفاعيل الانسحاب القادم، فهم واهمون. إن أي غدر صهيوني واسع أو خديعة أمريكية في صياغة اتفاق الجمعة سيؤدي فوراً لتفعيل صواريخ “خاتم الأنبياء” وإعادة إغلاق الأجواء والمضائق. المقاومة الإسلامية لا تزال سيدة الميدان؛ فكمائن الأمس في كفرتبنيت وإمطار قوات الاحتلال بالصواريخ المضادة للدروع أثبتت أن أي محاولة للتقدم ستُسحق، سواء بتوقيع جنيف أو بنيران الحافة الأمامية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
