عندما تتوقف الحروب، يندفع كثيرون إلى عد الصواريخ والطائرات والخسائر المادية، لكن التاريخ له معيار آخر للحكم على المنتصرين: من صمد؟ ومن فرض نفسه على طاولة القرار؟ ومن خرج من قلب العاصفة أكثر حضوراً وتأثيراً؟
بعد هذا المخاض العسير، يمكن القول إن إيران نجحت في تثبيت نفسها قوة إقليمية كبرى ذات امتداد عالمي، لا يمكن تجاوزها أو تجاهل دورها في رسم مستقبل المنطقة. فالدولة التي تعرضت لأقسى الضغوط والتهديدات والعقوبات والحملات العسكرية، استطاعت أن تحافظ على تماسكها وأن تبقى حاضرة في قلب المعادلة، وأن تفرض على خصومها الاعتراف بحجمها وتأثيرها.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد أثبتت هذه المواجهة أن القوة ليست فقط في امتلاك السلاح، بل في القدرة على الصبر والتحمل وإدارة الصراع الطويل. فإيران لم تنكسر أمام الضغوط، ولم تتراجع عن ثوابتها، بل تمكنت من تحويل التحديات إلى فرصة لتأكيد حضورها السياسي والعسكري والدبلوماسي.
ومن أبرز النتائج التي كرستها هذه المرحلة أن أي مشروع سياسي أو أمني أو اقتصادي في الشرق الأوسط لم يعد قابلاً للحياة من دون أخذ الدور الإيراني في الحسبان. وهذه حقيقة فرضتها الوقائع لا الشعارات، وأكدتها نتائج الميدان قبل بيانات السياسة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، برز اسم دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري بوصفه أحد أبرز صناع اللحظة السياسية. فالرجل الذي راكم خبرة عقود طويلة في إدارة الأزمات خاض مفاوضات شاقة ودقيقة وسط ظروف استثنائية، واستطاع بحكمته المعهودة أن يحافظ على خيوط التواصل مفتوحة في أكثر اللحظات حساسية.
لقد أثبت بري مرة جديدة أن السياسة ليست صخباً إعلامياً، بل صبر وحكمة وقدرة على قراءة موازين القوى وتحويل الفرص إلى إنجازات. ولم يكن مستغرباً أن تحظى جهوده باهتمام واسع، بعدما أظهر قدرة لافتة على إدارة التفاوض في مرحلة كانت المنطقة كلها تقف على حافة المجهول.
أما الجنوب اللبناني، ذلك الجنوب العزيز الذي ارتوت أرضه بدماء الشهداء، فقد كان حاضراً في صلب المشهد لا على هامشه. الجنوب الذي واجه الاعتداءات بصبر أبنائه وثباتهم، بقي وفياً لتاريخه ودوره الوطني، مؤكداً أنه ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو رمز للصمود والإرادة والتشبث بالأرض.
لقد دفع الجنوب أثماناً باهظة، لكنه أثبت مرة أخرى أن إرادة الناس أقوى من كل محاولات الكسر والإخضاع. ومن بين القرى الحدودية والبيوت المهدمة وحقول التبغ والزيتون، خرجت رسالة واضحة مفادها أن الأرض التي تنبت الشهداء لا تعرف الاستسلام.
إن المرحلة المقبلة ستشهد الكثير من النقاش حول الرابح والخاسر، لكن المؤكد أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل هذه المواجهة. فقد تبدلت الحسابات، وتغيرت المعادلات، وبرزت حقائق جديدة سيكون لها أثرها العميق في مستقبل الشرق الأوسط.
وفي النهاية، يبقى أن الانتصار الحقيقي لا يقاس فقط بما تحقق في الميدان، بل بما يبنى بعد الحرب من استقرار وكرامة وسيادة وحضور سياسي. وعندما يكتب تاريخ هذه المرحلة، سيذكر أن شعوباً صمدت، وأن رجال دولة أحسنوا إدارة اللحظة، وأن الجنوب بقي واقفاً رغم الجراح، وأن إرادة الحياة كانت أقوى من كل محاولات الإلغاء والانكسار.
