بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ صدق الله العلي العظيم [ سورة الأنفال: 58]
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
خلال اجتياح نابليون لأوروبا وصلت جيوشه إلى النمسا في عام 1809ولكن الجيوش النمساوية هزمته في معركة أسبرن، عند شعور نابليون بالانكسار طلب من ضباطه البحث عن جاسوس يساعدهم على الدخول الى النمسا من خلال نقطة ضعف في الجيش النمساوي. وبعد جهد جهيد وسعي حثيث عثروا على ضابط نمساوي واتفقوا معه على مبلغ من المال إذا هم استفادوا من معلوماته، فدلهم هذا الخائن على منطقة جبلية يوجد فيها جيش نمساوي قليل لكون المنطقة شبه مستعصية.
وبالفعل تمكن الجيش الفرنسي من اقتحام المنطقة واحتلالها وبعد أن استقر الوضع لفرنسا جاء الخائن النمساوي لمقابلة نابليون بونابرت الذي رمى له صرة من النقود على الارض ليأخذها ثمن خيانته وجزاء أتعابه، فقال الجاسوس سيدي العظيم يشرفني ان أصافح قائدا عظيما مثلك، فرد عليه نابليون: أما أنا فلا يشرفني ان أصافح خائنا لوطنه وشعبه، تعجب كبار القادة من تعامل نابليون مع الجاسوس على الرغم من أهمية الأخبار التي نقلها لهم وكانت سبباً في انتصارهم، وسألوه عن السبب، فأجاب نابليون بعبارة من أروع عبارات التاريخ الحديث: مثل الخائن لوطنه وشعبه كمثل السارق من مال ابيه ليطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص تشكره.
حرية الرأي والتعبير حق لكل مواطن تكفله وتحميه كل الشرائع الدينية والوضعية ومن ضمنها الدستور اللبناني، وهذه الحرية تساعد على تنوع الأفكار وإغناء الثقافات، وانتقاد الأخطاء سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة بغية إصلاحها وعدم تكرارها، ولا يمكن إكراه أي شخص على تبني رأي أو فكرة أو عقيدة غصباً عنه، ولا يمكن مصادرة أي رأي حتى ولو كان مغايراً لأشخاص أو لهيئات أو لسلطة، وإلا تنتفي الحياة الديمقراطية وتتحول الأنظمة إلى أنظمة استبدادية.
تُعتبر حرية الرأي والتعبير حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، لكنها مقيدة بضوابط ومسؤوليات تضمن عدم الإضرار بالآخرين، فالحرية تنتهي حيث تبدأ حقوق الآخرين وحرياتهم، وتخضع لأطر قانونية وأخلاقية متعارف عليها دولياً ومحلياً، فهناك حالات يعاقب عليها القانون وهي التشهير والإساءة لسمعة شخص محدّد، والدعوة إلى الفحش، وحالات المنع المسبق من النشر، مثل حالات المنع من نشر بعض القضايا.
المعارضة حق، ولا يمكن لأحد أن يسلب هذا الحق، على شرط أن تكون المعارضة موضوعية وليست حقداً أو غلاً أو لغايات شخصية، وللأسف هناك حالات فاقعة لدى المعارضين الشيعة، فيعمدون إلى مهاجمة البيئة ليست لأجل إصلاحها بل لإظهارها أنها متخلفة، ويُغالون في معارضتهم متجاوزين الأمور السياسية والاجتماعية وصولاً للتهجم على البيئة الحاضنة والتهكم على معتقداتها الدينية، والشماتة بمصابهم، والسخرية من شهدائهم كما فعلت احداهن في برنامج تلفزيوني على قناة حاقدة واستقدام فرقة دبكة للرقص على صورة أنقاض مدينة بنت جبيل، واستجلاب العدو الإسرائيلي واعطائه حيثيات مغلوطة من أجل الحاق أكبر قدر من التدمير، وتحريض أحدهم على مثقفين واعلاميين ونشر صورهم كعملاء للمقاومة ، ونشر هذه الصور من قبل أفيخاي أدرعي.
كثير من هؤلاء المعارضين يعانون من عقدة نقص تجاه للآخرين، ففي تصريح لمقدمة البرنامج المنوه عنه أعلاه، قالت انها كانت تشعر أنها مكروهة ومنبوذة من المحيط الذي تعيش فيه كونها شيعية، وهو ما دفعها للتبرؤ من بيئتها من أجل كسب ود الآخرين، وهو حال الكثيرين، بينما يُستعملون كأداة فتنة وانقسام داخل الطائفة الواحدة لخلق شرخ بين الناس واضعاف النسيج الداخلي، وباعتقادهم أنهم بذلك ينالون رضا من يجب إرضاؤه، حتى لوكان الثمن الرقص على دماء ناسهم، والتبرؤ من عقيدتهم، وأحياناً كثيرة بثمن بخس.
من يعتقد أنه بما يفعل يكسب ثقة مشغليه فهو مخطئ، ولا يدرك أن من يستخدمه لا يعتبره شريكاً بل أداة مؤقتة تُرمى بعد انتفاء الحاجة لها، فمن يتنكر لناسه وأهله ومعتقداته لن يكون سوى أجير وضيع يرمى في مكب نفايات على قارعة الطريق، ولن يكون مصيره بأفضل من الضابط النمساوي مع نابليون، وكم من ضابط نمساوي خائن في بلادي.
