سياسة شراء الوقت بين معمل معالجة النفايات، بلدية صيدا، واتحاد بلديات المنطقة
بتاريخ 20 شباط 2025، أصدرت إدارة معمل معالجة النفايات في صيدا تقريرًا حول أوضاع المعمل وشروط إعادة تشغيله بشكل منتظم وطبيعي.
جاء التقرير وصفيًا بامتياز، محاولًا تبرير توقف المعمل عن العمل دون الإشارة إلى مسؤولية الشركة المشغّلة، رغم أنها تدير مرفقًا عامًا يُفترض أن يقدّم خدمات مستدامة. وأشار التقرير إلى أن الشركة أعلنت إغلاق المعمل وتوقفه عن العمل بتاريخ 18 كانون الثاني 2023، أي بعد أسبوع من صدور تقرير الخبير البيئي د. فاروق المرعبي، الذي وصف بدقة ما تبقى من المعمل واحتياجاته الفعلية لإعادة تجهيزه وتشغيله. كما أوضح أن المعمل متوقف عن العمل المنتظم منذ تموز 2021، وفق مصادر متابعة، بعد بيع ما تبقى من معداته كخردة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يؤكد التقرير أن توقف المعمل عن المعالجة الفعلية يمثل إخلالًا واضحًا ببنود الاتفاق الموقع مع بلدية صيدا، والذي يمنح البلدية الحق بفسخ العقد واسترداد المعمل. كما لم يشر التقرير إلى القرار رقم 13 الصادر في 4 نيسان 2021، الذي رفع قيمة الدولار المدفوع من الصندوق البلدي المستقل للشركة، رغم توقف المعالجة والادعاء بأن الشركة تتقاضى أجرًا زهيدًا.
من جهة أخرى، لا تزال المعالجة المنتظمة في المعمل متوقفة، ولا تتعدى نسبة النفايات التي تتم معالجتها فعليًا 15% من إجمالي النفايات المستلمة. ورغم تعهّد إدارة المعمل، في خطتها المنشورة في كانون الثاني 2024، بإعادة تشغيل المعمل خلال ستة أشهر، إلا أن ذلك لم يتحقق. وما زالت الإدارة تطلق خططًا إعلامية لا تستند إلى التقرير البيئي، مما يضع تساؤلات حول مصداقيتها.
الأمر المستغرب في تقرير الإدارة هو الإشارة إلى أن مستثمرين سعوديين سددوا ديون الشركة وقرروا ضخ أموال جديدة لتشغيل المعمل، دون توضيح مصير الأموال التي تقاضتها الشركة خلال السنوات الثماني الأولى من التشغيل، ومن استفاد منها؟ وإذا كان هناك فساد في الإدارة، فمن غير المقبول أن يتحمّل المواطنون والبلدية تبعاته.
الأكثر غرابة أن التقرير ذكر أن الإدارة قامت بتزفيت بعض الطرقات الداخلية في المعمل على نفقتها الخاصة، وكأنها تتفضّل بذلك، بينما الأصل أن تكون هذه التكلفة ضمن مسؤوليات الشركة وليس على عاتق البلدية أو الاتحاد البلدي.
بعد سنوات من التوقف، يشير التقرير إلى توصية شركة FERMENDOM بضرورة شراء معدات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يؤجل موعد التشغيل المنتظم إلى النصف الثاني من عام 2025، ما يعكس سياسة شراء الوقت المستمرة. كما تطرّق إلى شراء معدات من معمل غوسطا، وهو معمل فرز وليس معالجة، مما يفتح الباب أمام الإدارة لزيادة أرباحها عبر بيع المواد المفروزة، دون الالتزام الجدي بمعالجة النفايات وفق الاتفاق الموقع، الذي ينص على منع الطمر والحرق العشوائي.
التقرير مليء بوعود سابقة تكررت منذ عام 2024، دون أي تنفيذ فعلي.
غياب الرقابة والمحاسبة
منذ توقف المعمل عن العمل بانتظام في صيف 2021، لا تزال فواتير استقبال النفايات تُوقَّع من قبل بلدية صيدا واتحاد البلديات دون أي رقابة أو متابعة، ما يسمح باستمرار دفع المستحقات للمعمل رغم غياب المعالجة الجدية.
في نهاية شباط 2025، نشرت بلدية صيدا التقرير السنوي للجنة مراقبة المعمل عبر مكتبها الإعلامي. وبالعودة إلى التقرير، يتضح أنه لا يختلف كثيرًا عن تقرير إدارة المعمل، إذ يقتصر على وصف الوضع القائم دون اقتراح حلول عملية. كما يتبنى، في بعض جوانبه، الطروحات التي قدمتها إدارة المعمل. ورغم تأكيده سوء وضع المعمل، إلا أنه يشير إلى استمرار بلدية صيدا في تقديم الدعم والتسهيلات له، وكأن ذلك أمر طبيعي!
التقرير يتضمن أيضًا مغالطات، مثل الادعاء بأن البلدية لم تنقض أي بند من الاتفاق، بينما الحقيقة أنها لم تنفذ كل بنوده، لا سيما ما يتعلق بتشغيل المعمل. كما يشير إلى أن اتحاد البلديات التزم بواجباته عبر توقيع الفواتير، دون التطرّق إلى أن ذلك يعني عمليًا تغطية لهدر المال العام.
واللافت أن التقارير السابقة للجنة المراقبة، رغم توصياتها، لم تُناقَش جديًا في المجلس البلدي، ولم يُلزم أحد بتنفيذها. ويبدو أن التقرير الحالي يحاول إشغال المواطنين في تفاصيل تقنية يصعب على معظمهم التحقق منها، بدلًا من تقديم حلول حقيقية. كما يقرّ التقرير بأن إدارة المعمل لم تستجب لطلبات اللجنة بالحصول على المعلومات، ورغم ذلك، يدعو إلى انتظار آب 2025 دون طرح أي توصيات قانونية أو إدارية ملزمة.
البدائل المفقودة
بدلًا من الدخول في نقاشات تقنية حول ما تم وما لم يتم تنفيذه، يبقى السؤال الأهم: لماذا لا تتحرك بلدية صيدا واتحاد البلديات لاتخاذ خطوات قانونية حازمة؟ ولماذا يُرفع شعار “أعطوه فرصة” كل مرة، دون البحث عن بدائل حقيقية؟
ما يفاقم المشكلة هو صمت القوى السياسية المسؤولة، وتخلّيها عن دورها في إيجاد حلول جذرية، وكأن الجميع متواطئ في إبقاء الوضع على حاله. فهل هناك حماية سياسية لإدارة المعمل تمنع الجهات المعنية من اتخاذ مواقف حاسمة؟
يبقى المطلوب تحرّكًا جديًا وفوريًا من الجهات الرقابية والقانونية، لإنهاء هذا المسلسل الذي يدفع المواطن ثمنه، بيئيًا وصحيًا وماليًا.
تجمّع “علّي صوتك”
