أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس في طريق المطار ، مستهلا بالحديث عن مناسبة ذكرى شهادة السيدة الزهراء .
قال تعالى 🙁 تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد ) سورة البقرة.
تتحدث هذه الآية المباركة عن اهم وجه من وجوه المنة على الخلق بعد نعمة الايجاد بإعطائهم قدرة التمييز بين الخير والشر ( انا هديناه النجدين ) والقدرة على الاختيار بينهما (إما شاكرا واما كفورا ) تفضيلا لهم على الملائكة. فالملائكة اعطوا القدرة على التمييز، فهي مخلوقات عاقلة، ولكنها لم تُعط القدرة على الاختيار بين فعل الخير وفعل الشر، وانما هي مكلفة في تنفيذ الارادة الالهية ولا قدرة لها على المخالفة والعصيان.. فإعطاؤه هذه القدرة للانسان يعتبر ميزة له من ناحيتين: الاولى القدرة على الاختيار وهي ميزة تكوينية، والثانية ان يستخدم هذه القدرة في اختيار الطاعة وفعل الخير، لانه حين اقدم على فعل الخير كان بمحض ارادته من دون اكراه، فيكون بهذا الاختيار قد استخدم هذا التميز التكويني في ما يحق استخدامه فيه ،ولو استخدمه في ما لا يحق له لاستحق المؤاخذة عليه.
اما انه لا يحق له استخدامه فيه، وهو الشر، لأنه اعطي له، لا على نحو التملك او حرية التصرف، بل اما تملك على نحو خاص او على نحو التصرف في ما شخّصه عقله من مواطن الخير. فالعقل او الشرع ولا تنافي بينهما، هما ادوات التشخيص لموارد استخدام هذا التميز”.
أضاف :” وهذا التفسير هو الذي يعطي الانسان معنى لوجوده كما يعطي وجوده قيمته الحقيقية، وبهذا نفهم معنى تكريمه، وهو قوله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم )، وهو ما لا يعطيه اي تفسير آخر، والا فما هي الفائدة من العقل وقدرته على التمييز بين الخير والشر وتحسينه للخير وتقبيحه للشر، وان حاول المنكرون لهذا الادراك العقلي اعطاءه تفسيرات مختلفة غير منطقية توافق اهواءهم ولا تجعل لكرامة الانسان معنى او لوجوده قيمة او هدفا ساميا.. نعم هي تفسيرات توافق اهواءهم يحاولون بها الاجابة عن سؤال يفرض نفسه ويلح عليهم بايجاد تفسير لهذا الوجود.
الاهواء التي تفرض نفسها على الارادة عندما تضعف امامها، وهنا محل الصراع الحقيقي داخل النفس بين ما تهواه وبين ما ينبغي ان تريده، بين ان تكون الارادة خاضعة للعقل او تكون خاضعة للهوى. فهناك الكثير من الامور التي يدرك الانسان ضررها، ولكنه يرتكبها كما انك قد تتجادل مع انسان في مسألة ما وتقدم له الدلائل والحجج المقنعة، ولكنه يعاند ولا يسلم بها.
وهذه الرغبات تصاحب الانسان حتى آخر لحظات حياته، ولا تنتهي الا بانتهائها. ولذلك قال البعض ان حياة الانسان تدور بين الالم والسأم، فاذا لم يحصل على رغباته يعيش الألم، واذا حصل عليها يعيش السأم، لانه كلما حصل على ما يريده طالب بالمزيد، وسأم مما حصل عليه.. وفي محاولة حل هذه المعضلة تعددت الاراء بين الافراط او التفريط، فمنهم من ذهب الى التفريط وان الانسان لا يمكنه التخلص من هذا العذاب الا بالانتحار، ومنهم من ذهب الى الافراط بقتل الرغبة لدى الانسان بالرياضات الشاقة، وهو الحل عند بوذا، ومن هنا كانت رياضة اليوغا او كما ذهب اليه القائلون بالرهبنة بقتل شهوة الجنس.
ولكن الاسلام اتخذ خطا وسطا بين الأمرين: بين الرغبة التي تثيرها الشهوات والرغبات، وبين السمو والتعالي بالارادة عن الحالة الحيوانية التي عبر عنها بتزكية النفس ( قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها ) عبر اعطاء الحياة معنى اسمى وان تكون رغبته الى رضى الله سبحانه وتعالى ( والى ربك فارغب )
﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
وذلك بإعطاء المعنى الحقيقي للرغبات والشهوات، وانه متاع قليل وانه زائل لا دوام له، وان يقتصر منه في الدنيا على ما احله الله له، وان يتطلع الى ما يدوم ويبقى، وهو ما ادخره الله للانسان في الحياة الآخرة، فزهد في الدنيا ورغب في الاخرة، وبذلك يتخلص من الم الحرمان وسأم الوجدان.
