الانتخابات النيابية بين التأجيل والموعد الدستوري…أي خيار أمام لبنان؟ / آية يوسف المسلماني
مع اقتراب الاستحقاق النيابي المقرّر في شهر أيار، يعود السؤال ليطرق أبواب اللبنانيين بقلقٍ مشروع: هل تمضي البلاد نحو صناديق الاقتراع في موعدها الدستوري، أم أن الظروف الداخلية والإقليمية قد تدفع نحو إعادة النظر في التوقيت؟
ليس الحديث عن التأجيل ترفاً سياسياً ولا اجتهاداً إعلامياً، بل قراءة في مشهد لبناني بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الدستورية مع الهواجس الأمنية، والوقائع الاقتصادية مع التحولات الإقليمية المتسارعة.
لبنان اليوم ليس في لحظة استقرار طبيعي تسمح بالتعامل مع الانتخابات كحدث إداري دوري.
فالأزمة الاقتصادية ما تزال تضغط بثقلها على المجتمع، ومؤسسات الدولة تعمل في ظل انقسامات سياسية حادة، فيما الثقة الشعبية بالطبقة الحاكمة تتآكل يوماً بعد يوم.
وفي مثل هذا المناخ يبرز تساؤل أساسي: هل تملك الدولة القدرة اللوجستية والمالية والتنظيمية الكاملة لإجراء الانتخابات بسلاسة وشفافية؟
أم أن الهشاشة العامة تجعل أي استحقاق عرضة للاهتزاز؟
إلى جانب الداخل المثقل بالأزمات، يقف العامل الإقليمي كمتغير لا يمكن تجاهله.
فالتوتر المستمر على الحدود الجنوبية، وتداعيات الحرب الدائرة في غزة، والتحولات في موازين القوى في المنطقة، كلها عوامل تجعل لبنان في قلب مشهد إقليمي مضطرب.
كما أن فرضية اندلاع حرب إسرائيلية واسعة على لبنان ما زالت قائمة، ولو بدرجات متفاوتة من الاحتمال، وهو معطى لا يمكن تجاهله في أي نقاش جدي حول الاستحقاقات الوطنية الكبرى.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن تثبيت موعد انتخابي في ظل احتمالات مفتوحة على تطورات أمنية غير محسوبة؟
وإذا كانت المخاطر قائمة، فهلت يُصار إلى حماية الاستحقاق الدستوري باعتباره عنواناً لانتظام الدولة، أم يُستخدم عامل الخطر مبرراً لتأجيلٍ جديد؟
ثم من يحدد معيار الظرف الاستثنائي، وأين تنتهي الضرورة وأين تبدأ الحسابات السياسية؟
إن انتظام المواعيد الدستورية في أي دولة يشكّل ركيزة الاستقرار لا نتيجة له فقط.
فالديمقراطية لا تُمارس في الظروف المثالية فحسب، بل تُختبر في الأزمات.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن أي تصعيد واسع قد يفرض وقائع تعيد ترتيب الأولويات.
وبين هذين الاعتبارين، يقف اللبناني حائراً: هل الاستحقاق النيابي أولوية وطنية لا يجوز المساس بها، أم أن الحفاظ على الاستقرار إذا اهتز يتقدم على كل اعتبار آخر؟
الأمر لا يتعلق فقط بموعد انتخابي، بل بمفهوم الدولة نفسها.
فهل تُدار البلاد بمنطق المؤسسات التي تحترم استحقاقاتها مهما اشتدت العواصف، أم بمنطق التسويات المرحلية التي تؤجل الأزمات بدل معالجتها؟ وهل أي تأجيل محتمل سيُفهم كخطوة اضطرارية لحماية السلم الأهلي، أم كرسالة إضافية عن عجز النظام السياسي عن الالتزام بمواعيده؟
ليست الانتخابات مجرد أوراق تُلقى في صناديق، بل تعبير عن إرادة شعب يريد أن يشعر أن صوته ما زال قادراً على إحداث فرق.
وكلما طال الانتظار، ازداد السؤال ثقلاً في وجدان الناس: هل نحن أمام دولة تحاول أن تنهض رغم العواصف، أم أمام كيان يعتاد تأجيل مواعيده كما لو أن الزمن فيه قابل للتعليق؟
قد يكون التأجيل قراراً تقنياً في ظاهره، لكنه في وجدان اللبنانيين قرار يمسّ معنى الدولة نفسها.
وبين الموعد والاحتمال، يبقى الأمل بأن يكون الاستحقاق مناسبة لإعادة تثبيت فكرة أن لبنان مهما تعثّر، يبقى قادراً على رسم مستقبله.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
