الجالية اللبنانية في ميشيغن في رسالة لرئيس الجمهورية: لا يجوز التفاوض تحت ضغط القصف والقتل والتدمير
وجهت الجالية اللبنانيّة في ولاية ميشيغن الأميركيّة رسالة إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عونرأت فيها أن “أيّ مسار تفاوضي دبلوماسي لا يجوز أن يُبنى تحت ضغط القصف والقتل والتدمير أو تحت وطأة فرض الوقائع الميدانيّة بالقوّة، بل ينبغي أن يستند إلى مرجعيّات قانونيّة وسياسيّة واضحة تحفظ حقوق لبنان وتمنع الانتقاص من سيادته وتضمن وقف العدوان”.
وأكدت الرسالة “أن أي مسار تفاوضي يجب ألا يتعارض مع التشريعات اللبنانيّة النافذة أو يمنح شرعيّة مجانيّة لأيّ اعتداء أو احتلال”.
نص الرسالة
فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون المحترم،
تحيّة وبعد،
نحن، أبناء الجالية اللبنانيّة في ولاية ميشيغن الأميركيّة، نتقدّم إلى فخامتكم عبر قنصليّة لبنان العامّة في ديترويت بشخص سعادة القنصل العام الأستاذ إبراهيم شرارة، وعطفاً على رسالتنا الصادرة بتاريج 23 نيسان 2026، والموجّهة إلى السفارة اللبنانية في واشنطن بشخص سعادة السفيرة السيدة ندى حمادة معوض، وجانب وزارة الخارجيّة والمغتربين، إذ نعبر عن بالغ قلقنا واستيائنا إزاء ما يتعرّض له وطننا الأم لبنان، ولا سيّما جنوبه، من اعتداءات متكرّرة ومُتعمّدة وانتهاكات جسيمة طالت أهلنا من المدنيين الأبرياء، وتدمير واسع ومُمنهج للمنازل والأحياء السكنيّة والمناطق المأهولة والمرافق الحيويّة والبنى التحتيّة والممتلكات الخاصّة والعامّة، والطواقم الطبيّة وسيارات الإسعاف والمستشفيات والجسم الإعلاميّ، وتهجير عشرات الآلاف من أهلنا وعائلاتنا من قراهم وبلداتهم، في ما يُشكّل استهدافًا مُمنهجًا لمقوّمات الحياة والسيادة والكرامة الوطنيّة، وانتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، إذ تواصل إسرائيل خرق كل التعهّدات والالتزامات المفروضة عليها، بحيث لم تلتزم في نيسان 2026 بوقف إطلاق النار في لبنان وتعمد إلى تدمير كل معالم الحياة في المنطقة الحدوديّة في جنوب لبنان، في مشهد يناقض أبسط قواعد القانون الدولي والضمير الإنساني.
فخامة الرئيس،
إنّ ما يجري في جنوب لبنان من استهدافات يندرج ضمن اعتداءات تُشكّل انتهاكًا لأحكام اتفاقيّات جنيف للعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول للعام 1977، ، وخصوصًا مبدأيْ التمييز والتناسب اللذين يفرضان حماية المدنيين والأعيان المدنية، ويحظران التهجير القسري، والاستهداف العشوائي. كما أن استهداف الصحافيين والطواقم الطبية يُعدّ خرقًا صريحًا للنصوص الدولية التي تكفل حمايتهم أثناء النزاعات المسلحة. إنّ استهداف الصحافيين والإعلاميين أثناء قيامهم بواجبهم المهني في نقل الحقيقة يُشكّل اعتداءً على حريّة الصحافة وحق العالم في المعرفة، في محاولة لطمس الوقائع الجارية على الأرض، فضلًا عن مخالفته الصريحة لأحكام القانون الدولي الإنساني الذي يوفّر حماية خاصّة للعاملين في المجال الإعلامي المدني أثناء النزاعات المسلحة.
كما أنّ تدمير القرى ونسف المنازل وفرض واقعٍ يدفع الأهالي إلى التهجير القسري يمثّل اعتداءً مباشرًا على حق الإنسان في الأمن والسكن والعيش الكريم، وتهديدًا خطيرًا للنسيج الوطني والاجتماعي اللبناني، في مسعى لفرض وقائع ميدانيّة تتجاوز كلّ الاعتبارات الإنسانيّة والقانونيّة. والأشدّ خطورة هو أنّ بعض هذه الأعمال العدائيّة قد استمر حتى بعد انعقاد اجتماعيْن بيْن سفيريْ لبنان وإسرائيل في واشنطن وإعلان وقف إطلاق النار، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهريّة حول جديّة الالتزام بوقف الأعمال العدائيّة، وجدوى أي مسار دبلوماسي لا يترافق مع وقف فعلي للعدوان، كما يشير إلى محاولة فرض وقائع ميدانيّة جديدة بالتزامن مع المسارات السياسيّة. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أيّ تفاوض يفقد معناه إذا ترافق مع استمرار القصف والهدم والتدمير وتهديد المدنيّين وترهيبهم وقتلهم.
وفي السياق ذاته، نرى أن أيّ مسار تفاوضي دبلوماسي لا يجوز أن يُبنى تحت ضغط القصف والقتل والتدمير أو تحت وطأة فرض الوقائع الميدانيّة بالقوّة، بل ينبغي أن يستند إلى مرجعيّات قانونيّة وسياسيّة واضحة تحفظ حقوق لبنان وتمنع الانتقاص من سيادته وتضمن وقف العدوان. وعليه، نؤكد ضرورة أن يكون أي تحرك رسمي أو تفاوضي مرتكزًا على:
- اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل للعام 1949، بوصفه الإطار القانوني الدولي الذي كرّس احترام سيادة لبنان ووقف الأعمال العدائيّة تحت إشراف الأمم المتحدة.
- قرار مجلس الأمن الرقم 425، الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط من لبنان، وأكّد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه ضمن حدوده المعترف بها دوليًا، بالإضافة إلى القرارات الدوليّة ذات الصّلة.
- المبادرة العربية للسلام، التي تبنّتها الدول العربيّة في قمة بيروت العام 2002، كأساس لتحقيق سلام عادل وشامل قائم على إنهاء الاحتلال، وقيام دولة فلسطينيّة مستقلّة، واحترام الحقوق العربيّة المشروعة، بما يرسّخ الأمن والاستقرار الإقليميّين.
- الأخذ بعيْن الاعتبار أنّ لبنان يتفاوض مع حكومة يواجه رئيسها اتهامات داخليّة بقضايا رشوة وخيانة الأمانة، كما أنّهُ مطلوب من قِبل المحكمة الجنائيّة الدوليّة بتهم ارتكاب جرائم حرب.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن القانون اللبناني يجرّم أيّ شكل من أشكال التعامل أو التواصل مع إسرائيل، استنادًا إلى قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، وأحكام قانون العقوبات المتعلّقة بالاتصال بالعدو أو تزويده بمعلومات أو تسهيل مصالحه، إضافةً إلى القواعد الجزائيّة التي تحظر أي نشاط يمنحه منفعة أو شرعيّة.
وبالتالي، فإن أي مسار تفاوضي يجب ألا يتعارض مع التشريعات اللبنانيّة النافذة أو يمنح شرعيّة مجانيّة لأيّ اعتداء أو احتلال. كما أنّ أي مقاربة يجب أن تنطلق من ثوابت السيادة الوطنيّة والمرجعيّات الدستوريّة والقوانين اللبنانيّة النافذة التي تجرّم الاتصال بالعدو، بما يصون المصلحة اللبنانيّة العليا ويحفظ الكرامة الوطنيّة.
فخامة الرئيس،
لقد تابعنا بقلقٍ بالغٍ تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والتي تحدّث فيها عن “قواعد تمّ الاتفاق عليها مع الولايات المتحدة الأميركيّة ولبنان”، مُدّعيًا وجود تفاهمات تخوّل إسرائيل تنفيذ هجمات داخل الأراضي اللبنانيّة؛ إنّ مثل هذا الكلام يشكّل مساسًا مباشرًا بسيادة لبنان واستقلال قراره الوطني،. إنّ لبنان، دولةً وشعبًا ومؤسسات، لا يمكن أن يُختزل بتصريحات صادرة عن دولة مُعتدية، ولا يجوز لأي جهة خارجيّة أن تتحدث باسمه أو أن توحي بوجود ترتيبات تنتقص من سيادته أو تمنح شرعيّة للاعتداء على شعبه. إنّ هذه التصريحات، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات، تؤكد محاولة فرض وقائع سياسيّة وميدانيّة بالقوّة، وهو أمر مرفوض تمامًا.
إنّنا، إذ نضع بين أيديكم هذا النداء الوطني، نؤكد أن مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة، بموجب الدستور والقانون والمواثيق الدوليّة، تقتضي اتخاذ كل ما يلزم لصون السيادة الوطنيّة، وحماية المواطنين، والدفاع عن سلامة الأراضي اللبنانيّة، وعدم السماح بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للعدوان أو الابتزاز السياسي.
وإنّنا نهيب بفخامتكم، بصفتكم رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن وحامي الدستور، أن يكون صوت لبنان الرسمي واضحًا وثابتًا وصلبًا في المحافل الدولية، وأن يعبّر عن آلام اللبنانيين وحقوقهم، وأن يتمسّك بحقوق لبنان كاملة غير منقوصة، وفي مقدّمتها حماية المدنيين، ووقف الاعتداءات، وعودة المهجّرين إلى قراهم، وإعادة إعمار ما تهدّم وتعويض المُتضرّرين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء والإعلاميين والطواقم الطبيّة والإسعافيّة، وفي عمليات نسف القرى وتدمير أحيائها.
كما نؤكد من اغترابنا أننا سنبقى سندًا لوطننا، داعمين لأهلنا، ورافعين الصوت في مختلف المؤسسات الأميركيّة والدوليّة، بكلّ الوسائل القانونيّة والديمقراطيّة المُتاحة، دفاعًا عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنيّة. ونناشد جميع اللبنانيين، في الداخل والخارج، التمسك بالوحدة الوطنيّة، وتغليب المصلحة العليا، والوقوف صفًا واحدًا في هذه المرحلة الدقيقة، لأن قوّة لبنان في وحدته، وثباته في عدالة قضيّته.
ختامًا، نتوجّه بالرحمة إلى أرواح الشهداء والضحايا، وبالتضامن الكامل مع الجرحى والمهجّرين وعائلاتهم، مؤكدين تمسّكنا الثابت بحق لبنان في الأمن والكرامة والسيادة، ورفضنا لأي تسوية تنتقص من هذه الحقوق أو تتجاوز تضحيات شعبه.
أبناء الجالية اللبنانيّة في ولاية ميشيغن
التاريخ: 28 نيسان 2026
