كتب د. هنا علي :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يَشْهَدُ لُبْنَانُ الْيَوْمَ وَاقِعًا مَأْزُومًا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ السِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ، لِيَمَسَّ عُمْقَ الإِنْسَانِ فِي أَمْنِهِ النَّفْسِيِّ وَكَرَامَتِهِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَيَنْعَكِسُ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ عَلَى النّظام التَّرْبَوِيَّ بِرُمَّتِه. فَالْحَرْبُ لَمْ تَعُدْ حَدَثًا طَارِئًا أَوْ ظَرْفًا اسْتِثْنَائِيًّا عَابِرًا، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى حَالَةٍ يَوْمِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ تُعِيدُ تَشْكِيلَ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ، تُدَمِّرُ الْبِنْيَةَ الْمَادِّيَّةَ، وَتَسْتَنْزِفُ الْبِنْيَةَ الْوُجْدَانِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ، وَتَفْرِضُ نَمَطَ عَيْشٍ قَائِمًا عَلَى الْقَلَقِ وَالتَّرَقُّبِ وَانْعِدَامِ الْيَقِينِ.
فِي هٰذَا السِّيَاقِ، لَمْ يَعُدِ الْمُتَعَلِّمُ كَيْانًا مُنْفَصِلًا عَنْ بِيئَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ مِرْآةً دَقِيقَةً لِوَاقِعٍ مُضْطَرِبٍ، يَتَشَكَّلُ وَعْيُهُ فِي ظِلِّ أَصْوَاتِ الطَّائِرَاتِ وَأَصْدَاءِ الْقَصْفِ. فَالْنَّازِحُ لَا يَنْشَغِلُ إِلَّا بِتَأْمِينِ الْحَدِّ الْأَدْنَى مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْبَقَاءِ: مَأْوًى يَحْمِيهِ، وَغِذَاءٍ يَسُدُّ حَاجَتَهُ، وَأَمَانٍ غَائِبٍ أَوْ مُهَدَّدٍ. أَمَّا الْمُقِيمُ فِي الْمَنَاطِقِ الْأَقَلِّ تَضَرُّرًا، فَهُوَ يَعِيشُ قَلَقًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ؛ قَلَقَ مُتَابَعَةِ الْأَخْبَارِ، وَحِسَابِ الْخَسَائِرِ، وَالْخَوْفِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْأَبْنَاءِ، وَالتَّسَاؤُلِ الْيَوْمِيِّ حَوْلَ أَبْسَطِ الْحُقُوقِ: هَلْ الطَّرِيقُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ أَوِ الْجَامِعَةِ آمِنٌ؟ وَهَلْ يَحْمِلُ الْغَدُ فُرْصَةً لِلتَّعَلُّمِ أَمْ احْتِمَالًا جَدِيدًا لِلْخَطَرِ؟
وَفِي هٰذَا الْمَشْهَدِ، تُصْبِحُ الْعِبَارَةُ الْيَوْمِيَّةُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ» أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلٍ عَابِرٍ، بَلْ تَعْبِيرًا مُكْثَّفًا عَنْ هَشَاشَةِ الْأَمَانِ، وَعَنْ تَحَوُّلِ الْحَيَاةِ إِلَى سِلْسِلَةٍ مِنَ النَّجَاةِ الْمُؤَقَّتَةِ.
مِنْ هُنَا، تَبْرُزُ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ لِصُنَّاعِ الْقَرَارِ. فَالْمُتَعَلِّمُ فِي لُبْنَانَ الْيَوْمَ لَا يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى أَدَوَاتِ تَقْيِيمٍ أَكَادِيمِيٍّ، بَلْ إِلَى مُقَارَبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ–تَرْبَوِيَّةٍ تُرَاعِي هَشَاشَةَ الْوَاقِعِ وَتَعَقِيدَاتِهِ. إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى إِجْرَاءِ الِامْتِحَانَاتِ الرَّسْمِيَّةِ فِي ظِلِّ هٰذِهِ الظُّرُوفِ قَدْ يُفْرِغُ الْعَمَلِيَّةَ التَّرْبَوِيَّةَ مِنْ مَضْمُونِهَا الْحَقِيقِيِّ، وَيُحَوِّلُهَا إِلَى إِجْرَاءٍ شَكْلِيٍّ يَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الْعَدَالَةِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمِصْدَاقِيَّةِ.
فَحِينَ تَتَرَاجَعُ الْمَعَايِيرُ أَمَامَ ضَغْطِ الْوَاقِعِ، وَتُمارَسُ الْعَمَلِيَّةُ التَّقْيِيمِيَّةُ فِي بِيئَةٍ غَيْرِ مُسْتَقِرَّةٍ، تُصْبِحُ الشَّهَادَةُ فِي خَطَرِ فَقْدَانِ قِيمَتِهَا الْعِلْمِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، وَتَتَحَوَّلُ مِنْ أَدَاةِ إِنْصَافٍ إِلَى عِبْءٍ إِضَافِيٍّ يُثْقِلُ كَاهِلَ الْمُتَعَلِّمِينَ بَدَلَ أَنْ يُنْصِفَهُمْ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ الْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ خَضَعُوا لِتَقْوِيمَاتٍ مَدْرَسِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، وَأَثْبَتُوا جَدَارَتَهُمْ ضِمْنَ بِيئَاتٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مُتَضَرِّرَةٍ، يَسْتَحِقُّونَ مُقَارَبَةً مَرِنَةً وَمَسْؤُولَةً، تَعْتَرِفُ بِجُهُودِهِمْ، وَتَحْمِي حَقَّهُمْ فِي التَّعَلُّمِ دُونَ إِخْضَاعِهِمْ لِضَغَطٍ إِضَافِيٍّ فِي لَحْظَةِ اضْطِرَابٍ جَمَاعِيٍّ.
وَغَيْرَ أَنَّ التَّحَدِّيَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْحَاضِرِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ. فَالْمَدَارِسُ، الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ فَضَاءَاتٍ لِلتَّعَلُّمِ، تَحَوَّلَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ إِلَى مَسَاحَاتِ إِيوَاءِ وَاسْتِجَابَةٍ طَارِئَةٍ، مَا يَطْرَحُ أَسْئِلَةً جَوْهَرِيَّةً حَوْلَ جَاهِزِيَّةِ النِّظَامِ التَّرْبَوِيِّ لِلْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْمُقْبِلِ.
كَيْفَ يُمْكِنُ التَّخْطِيطُ لِتَعْلِيمٍ مُسْتَدَامٍ فِي سِيَاقٍ هَشٍّ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ضَمَانُ الْعَدَالَةِ التَّرْبَوِيَّةِ بَيْنَ مُتَعَلِّمِينَ يَعِيشُونَ تَفَاوُتًا حَادًّا فِي الْأَمْنِ وَالْمَوَارِدِ وَفُرَصِ التَّعَلُّمِ؟
إِنَّ الْعَدَالَةَ التَّرْبَوِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مَفْهُومًا نَظَرِيًّا أَوْ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ أَصْبَحَتْ ضَرُورَةً وَطَنِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً. وَهِيَ لَا تَعْنِي فَقَطْ تَكَافُؤَ الْفُرَصِ، بَلْ تَعْنِي أَيْضًا الِاعْتِرَافَ بِالِاخْتِلَافِ، وَتَبَنِّي سِيَاسَاتِ دَعْمٍ مَرِنَةٍ تَضْمَنُ لِكُلِّ مُتَعَلِّمٍ حَقَّهُ فِي التَّعَلُّمِ الْكَرِيمِ وَالْعَادِلِ.
إِنَّ اسْتِمْرَارَ أَزْمَةِ النُّزُوحِ دَاخِلَ الْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ يُنْذِرُ بِتَوْسِيعِ الْفَجَوَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ، لَيْسَ فَقَطْ عَلَى مُسْتَوَى التَّحْصِيلِ الْعِلْمِيِّ، بَلْ أَيْضًا عَلَى مُسْتَوَى نَوْعِيَّةِ التَّعَلُّمِ وَبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ. وَهُوَ مَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى انْقِسَامٍ صَامِتٍ بَيْنَ الْمُتَعَلِّمِينَ فِي الْفُرَصِ وَالْمَسَارَاتِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.
أَمَامَ هٰذَا الْوَاقِعِ، لَمْ يَعُدْ كَافِيًا الِاكْتِفَاءُ بِالْحُلُولِ الْآنِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ مِنَ الضَّرُورِيِّ بَلْوَرَةُ رُؤْيَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ شَامِلَةٍ تُعِيدُ الِاعْتِبَارَ لِلْإِنْسَانِ قَبْلَ الْمَنْهَجِ، وَلِلْمُتَعَلِّمِ قَبْلَ الِامْتِحَانِ.
فَالتَّرْبِيَةُ فِي زَمَنِ الْأَزْمَاتِ لَيْسَتْ اسْتِمْرَارًا إِدَارِيًّا لِلْمَنْهَجِ، بَلْ فِعْلُ صُمُودٍ، وَمَسَاحَةُ إِنْتَاجِ أَمَلٍ، وَإِعَادَةُ تَرْمِيمٍ لِمَا تَكَسَّرَ فِي الْإِنْسَانِ قَبْلَ الْبِنْيَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ.
لُبْنَانُ الْيَوْمَ لَا يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى إِعَادَةِ إِعْمَارِ الْحَجَرِ، بَلْ إِلَى إِعَادَةِ بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُتَعَلِّمِ تَحْدِيدًا، بِوَصْفِهِ حَجَرَ الْأَسَاسِ لِأَيِّ مُشْرُوعِ نُهُوضٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ.
