لم تكن المواقف السياسية الأخيرة الصادرة عن حزب الله عبر مقابلة مسؤول ملفه الوطني مجرد عرض للمواقف التقليدية في لحظة اشتباك، بل جاءت بمثابة إعلان تاريخي عن “سلة إستراتيجية متكاملة” تعيد رسم الخطوط الحمر فوق رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية. فمن تلال النبطية الصامدة، مروراً بمضائق الملاحة الدولية، وصولاً إلى كواليس واشنطن المفتوحة على شروط المقاومة، فكك حزب الله الشيفرة الجديدة لإدارة الصراع.
دلالات ثلاثية حزب الله الجديدة:
1. جغرافيا الردع الممتدة: “علي الطاهر” بعيون “باب المندب”
حين يربط حزب الله مصير التلال الجنوبية الصامدة بالملاحة الدولية في البحر الأحمر، فهو يعلن رسمياً انتقال المقاومة من “وحدة الساحات” إلى “وحدة المصير الناري”. كشْف حزب الله عن استعداد حركة “أنصار الله” في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب بالكامل ووضع “مفتاحه” بيد المقاومة في لبنان في حال الإطباق عليها، يحمل رسائل بالغة الخطورة:
-
- إفشال مراهنة الحصار المالي: رد حزب الله على حزمة عقوبات ترامب وخزانته تحت مسمى “الغضب الاقتصادي” جاء عبر الجغرافيا. المقاومة تقول لواشنطن: حصاركم المالي على بيروت سيقابله حصار بحري على الطاقة العالمية في أهم مضائق العالم.
- إعادة تعريف الانتصار العسكري: تزامناً مع بروبغندا العدو حول تلة “علي الطاهر”، جاء الموقف ليخفف من التشنج الميداني التكتيكي ليربطه بالنصر الإستراتيجي الشامل؛ فالصمود هناك أسطوري، لكن المعركة الكبرى تدار بخيوط عابرة للحدود.
2. البراغماتية السياسية: الدبلوماسية بلا أوهام فوق الطاولة الأميركية
المفاجأة الثانية في المواقف كانت إعلان حزب الله صراحةً أنه “لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين”، شريطة أن تخدم المصلحة والظروف المناسبة. هذه الدلالة تؤشر إلى تحول إستراتيجي في التكتيك التفاوضي:
-
- التفاوض من موقع الندية والقوة: لا يذهب حزب الله إلى التفاوض كطرف محاصر، بل كقوة إقليمية تملك “مفاتيح المضائق” وتدير جبهات برية صلبة.
- سحب الذرائع الداخلية: يقطع هذا الإعلان الطريق على المراهنين في الداخل اللبناني على إمكانية عزل حزب الله دولياً، ويوجه رسالة لإدارة ترامب بأن “الضغط الأقصى” لن يحصد تنازلات، بل إن الاعتراف بمحور المقاومة كشريك ندّي هو المدخل الوحيد لأي تفاهمات أمنية بالمنطقة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
3. الجبهة الداخلية: السلم الأهلي ورفض “الفروقات الطبقية”
لم يغفل حزب الله تداعيات الحرب على النسيج اللبناني، فجاء تشديده الحازم على التمسك بالعيش المشترك والرفض المطلق لتصنيف اللبنانيين إلى درجات (أولى وثانية وثلاثية) بين سنة وشيعة ودروز ومسيحيين ليعكس حرص القيادة على حماية الظهر الداخلي:
-
- تثبيت الوحدة بوجه الفتن: يدرك حزب الله أن العدو يسعى لإحداث اضطرابات داخلية مستغلاً ملفات النزوح والضغط المعيشي؛ لذا جاء الموقف حاسماً ليعيد الاعتبار للشراكة الوطنية الكاملة.
- مواصلة واجب الإيواء والإعمار: تأكيد استمرار حزب الله في تحمل مسؤولياته الإنسانية تجاه العائلات المتضررة، يثبت بقاءه إلى جانب ناسه كركيزة أساسية لا تهزها القرارات المالية الخارجية.
الخلاصة:
وضع حزب الله المجتمع الدولي أمام معادلة شديدة التعقيد: المقاومة صامدة في الميدان برغم القصف والأحزمة النارية، ومستعدة للذهاب إلى أبعد مدى في حماية كينونتها وسلاحها السيادي، والكرة الآن في ملعب واشنطن وتل أبيب للاختيار بين تفعيل المسار السياسي التفاوضي الندي، أو تحمل تبعات دحرجة الصراع إلى مدارات “الأشباح البحرية” التي ستشعل بورصة العالم.
