من جبهات الحرب إلى ساحات الداخل: هل بدأ زمن إعادة التموضع؟ – غنى شريف
مع دخول المنطقة مرحلة جديدة من الهدوء النسبي أو إعادة التموضع، يبرز سؤال يتجاوز نتائج الحرب نفسها: ماذا تفعل القوى المنخرطة في الصراع خلال الفترات الفاصلة بين المواجهات؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في حالة إيران وحلفائها، يطرح تزامن عدد من الملفات في اليمن والعراق ولبنان احتمالاً يستحق البحث: هل تشهد الساحات المرتبطة بإيران مرحلة من إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، أم أن التطورات الجارية في كل ساحة لا تتجاوز ظروفها المحلية؟
لا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة كافية للقول بوجود خطة إيرانية موحدة لإعادة تشكيل هذه الساحات. لكن التشابه بين بعض الملفات يطرح أسئلة سياسية وأمنية تستحق المتابعة.
اليمن: تثبيت موقع الحوثيين
في اليمن، لا يزال الصراع يدور حول مستقبل الدولة وتوزيع السلطة، في ظل الدور المستمر للحوثيين والقوى المناوئة لهم والتدخلات الإقليمية.
ويطرح الحوثيون الصراع، في خطابهم السياسي، ضمن مواجهة ما يعتبرونه تدخلاً خارجياً، ولا سيما الدور السعودي. لكن هذا الخطاب لا يلغي البعد الداخلي للصراع، حيث يتعلق الأمر أيضاً بمن يملك القرار السياسي والأمني في اليمن.
لذلك، فإن أي تطورات جديدة في اليمن يمكن قراءتها على مستويين: مستوى العلاقة مع السعودية والقوى الإقليمية، ومستوى الصراع على شكل الدولة اليمنية نفسها.
والسؤال الذي يهم في سياق هذه المقالة هو: هل يتجه الحوثيون، في المرحلة المقبلة، إلى التركيز بصورة أكبر على تثبيت موقعهم الداخلي، بالتوازي مع تراجع مستوى المواجهة المباشرة؟
لا يمكن الجزم بذلك قبل ظهور مؤشرات سياسية وميدانية أكثر وضوحاً.
العراق: ماذا بعد الوجود العسكري الأميركي؟
العراق يقدم حالة مختلفة. فمع تغير طبيعة الوجود العسكري الأميركي، يعود النقاش حول العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة إلى الواجهة.
وتتمثل إحدى القضايا الأساسية في مستقبل «الحشد الشعبي» والفصائل المنضوية فيه، وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية وبالقرار الأمني العراقي.
وهنا ينبغي الفصل بين قضيتين: الوجود العسكري الأميركي من جهة، وموقع الفصائل المسلحة داخل الدولة العراقية من جهة أخرى.
فحتى إذا انتهى الوجود العسكري الأميركي أو تغيرت مهمته، لا يعني ذلك تلقائياً أن الصراع السياسي حول النفوذ الخارجي قد انتهى، كما لا يعني أن الفصائل القريبة من إيران ستسعى بالضرورة إلى إعادة تشكيل النظام السياسي.
لكن من المشروع طرح السؤال: هل يؤدي تراجع الدور العسكري الأميركي إلى فتح مرحلة جديدة من النقاش حول موقع هذه الفصائل داخل الدولة؟
هذا سؤال عراقي داخلي بقدر ما هو جزء من التنافس الإقليمي.
لبنان: سلاح حزب الله في قلب النقاش الداخلي
في لبنان، يبدو السؤال أكثر مباشرة، إذ أصبح سلاح حزب الله وعلاقته بالدولة جزءاً أساسياً من النقاش السياسي.
الرئاسة والحكومة والقوى السياسية المختلفة تتعامل مع هذه المسألة من زوايا متباينة، بينما يمثل موقف الولايات المتحدة وإسرائيل عاملاً إضافياً في الضغط على الحزب.
لكن اختزال المسألة باعتبارها مواجهة بين حزب الله والولايات المتحدة وحدهما لا يعكس كل تعقيداتها. فهناك أيضاً نقاش لبناني داخلي حول حصرية السلاح، ودور الجيش، وطبيعة القرار الأمني والسيادي للدولة.
ومن هنا يبرز احتمال مهم: إذا لم تقع مواجهة إقليمية واسعة في المدى القريب، فقد يحتل الصراع السياسي الداخلي مساحة أكبر من اهتمام الأطراف المعنية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن حزب الله سيتجه إلى مواجهة خصومه أو إلى تغيير المعادلة الداخلية بالقوة. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى وقائع واضحة، ولا يكفي لاثباته مجرد ارتفاع مستوى الضغوط السياسية عليه.
هل نحن أمام «ربيع إيراني»؟
وصف ما يجري بأنه «ربيع إيراني» يفترض وجود مسار منسق تقوده طهران في أكثر من ساحة. وحتى الآن، يصعب إثبات هذا الافتراض.
لكن يمكن ملاحظة أن الساحات الثلاث تواجه، كل على طريقتها، أسئلة تتعلق بمستقبل القوى المرتبطة بإيران داخل بيئاتها الوطنية.
في اليمن، السؤال يتعلق بمستقبل السلطة وتوازناتها.
وفي العراق، يتعلق بموقع الفصائل المسلحة في الدولة بعد تغير طبيعة الوجود الأميركي.
وفي لبنان، يتعلق بمستقبل سلاح حزب الله وعلاقته بالدولة وبقية القوى السياسية.
هذه التطورات لا تثبت وجود استراتيجية إيرانية جديدة، لكنها تجعل فرضية إعادة التموضع أكثر قابلية للنقاش من فرضية وجود «خطة تحرير» موحدة للساحات الثلاث.
وربما يكون التعبير الأدق هو: هل دخل محور المقاومة مرحلة مراجعة داخلية؟
فبعد سنوات من التركيز على المواجهة الإقليمية، قد تجد القوى المنضوية في هذا المحور نفسها أمام ملفات داخلية أكثر إلحاحاً: تثبيت مواقعها السياسية، تنظيم علاقتها بالدولة، إدارة الضغوط المحلية، والحفاظ على قدراتها في بيئة إقليمية متغيرة.
لكن هذه العملية، إذا كانت موجودة، لا تعني بالضرورة أنها منسقة مركزياً من إيران، ولا أن نتائجها ستكون متشابهة في اليمن والعراق ولبنان.
لذلك، فإن السؤال عن «الربيع الإيراني» قد يكون في هذه المرحلة سؤالاً صحفياً أكثر منه استنتاجاً سياسياً مكتمل الأدلة:
هل تعيد القوى المرتبطة بإيران ترتيب ساحاتها الداخلية خلال فترة الهدوء، استعداداً لمرحلة إقليمية جديدة، أم أن ما نراه ليس سوى ثلاث أزمات محلية تتقاطع مؤقتاً في الزمن؟
الإجابة ستتوقف على ما ستفعله هذه القوى في الأشهر المقبلة، لا على ما يمكن استنتاجه من التطورات الحالية وحدها.
