رسالة إلى فتاة السابعة عشرة: لا تجعلي الزواج باب طوارئ للهروب من الفقر!
كتبت ناريمان علوش
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أخبرتني صديقة، مصادفةً، عن فتاةٍ في السابعة عشرة من عمرها تبحث عن عريسٍ مهذّب… ولكن غير فقير.
وحين سألتُها عن السبب، قالت لي جملةً صغيرةً، لكنها وقعت في قلبي كالجمر:
«لأنها هربانة من الفقر».
لا أعرف لماذا جرحتني الحكاية إلى هذا الحد.
لا أعرف الفتاة، ولا اسمها، ولا شكلها، ولا في أيّ بيتٍ تنام، ولا كم مرةً خبّأت أمنيةً لأنها أغلى من قدرة أهلها…
لكنني، منذ سمعت عنها، شعرتُ أن شيئًا منها وصل إليّ. كأن الحكاية لم تمرّ بي مصادفة. كأن فتاةً مجهولةً في مكانٍ ما رمت زجاجةً في بحر الحياة، وفي داخلها استغاثة، فحملها الموج إلى قلبي.
تخيّلتُ ليلها… تلك الساعات التي ينام فيها الجميع وتبقى هي تحدّق في السقف، تفكّر كيف يمكن أن تهرب من حياةٍ لم تخترها.
تخيّلت أحلامها وهي تتنفّس بصعوبة تحت ثقل الحاجة، وقلقها الصغير وهو يكبر قبلها، حتى صار الزواج في مخيّلتها بابًا للخروج، وصار الرجل المقتدر ماديًا يشبه طوق نجاة.
وللحظة، شعرتُ أنها تستغيث بي من بعيد… من دون أن تعرفني، ومن دون أن أعرفها. ولا أملك لها بيتًا، ولا أستطيع أن أبدّل ظروفها… لذلك لم أجد سوى الكلمات.
ربما أكتبها هنا، فتعرف الكلمات طريقها إليها. فالرسائل التي يكتبها القلب لا تحتاج دائمًا إلى عنوان.
إليكِ يا صغيرتي…
لا أعرف اسمكِ، لكنني أعرف شيئًا عن القلق الذي يشتعل في وسادتك. وأريد أن أقول لكِ:
لا تجعلي الزواج باب طوارئ. فالذي يهرب من غرفةٍ تحترق، قد يفتح من شدّة خوفه بابًا إلى حريقٍ آخر.
لا تختاري رجلًا لأن جيبه يبدو لكِ أوسع من ضيق بيتكِ، ولا تضعي عمركِ الصغير في يد أحد فقط لأنكِ تعبتِ من حمله وحدكِ.
أعرف أن من عاش الحرمان قد يبدو له المال شبيهًا بالأمان…
لكن المال يستطيع أن يشتري لكِ سريرًا، ولا يستطيع أن يضمن لكِ نومًا مطمئنًا. يستطيع أن يبني بيتًا، لكنه لا يعرف كيف يبني حضنًا.
لذلك، قبل أن تبحثي عمّن ينقذكِ، اركعي لله…
اركعي بكامل أناقة مشاعركِ وخشوعها. ضعي أمامه خوفكِ، حاجتكِ، أحلامكِ الصغيرة، وحتى تلك الأشياء التي تخجلين من طلبها.
قولي له:
يا رب، أنا لا أعرف أين الخير… فاختره لي.
سلّميه أحلامكِ، ولا تملي عليه شكل النجاة…
انهضي وتعلّمي واعملي.
ابني في داخلكِ شيئًا لا يستطيع الفقر مصادرته. افتحي نافذةً ولو وُلدتِ في بيتٍ بلا نوافذ. ولا تيأسي من رحمة الله لمجرّد أن السماء تأخرت قليلًا في المطر…فبعض الحدائق تتأخر أزهارها لأنها تقضي وقتًا أطول في صناعة جذورها.
أنتِ في السابعة عشرة…
لا تجعلي أكبر أحلامكِ رجلًا يُخرجكِ من الفقر…احلمي أن تصبحي أنتِ المرأة التي ستعود يومًا إلى تلك الفتاة الخائفة التي كنتِها، تمسك بيدها وتقول:
«رأيتِ؟ لم نكن بحاجة إلى الهرب… كان علينا فقط أن نكبر باتجاه الضوء».
وإن جاء الحب يومًا، فليجدكِ واقفةً لا غارقة…
اختاري يدًا تمسكين بها لأنكِ أحببتِ الطريق معها، لا لأنكِ ظننتِ أنها طوق النجاة.
وأنا التي لا أعرف اسمكِ…
ما زلتُ لا أعرف لماذا وصلتني حكايتكِ. لكنني أؤمن أن بعض الاستغاثات لا تحتاج إلى صوت، وأن الله، أحيانًا، يجعل قلبًا غريبًا يرتجف لأجل قلبٍ غريب…
لعلّ الرسالة تصل.
