مع اقتراب موعد اجتماع تامبا في العشرين من تشرين الأول، لا يبدو أن لبنان يستطيع ان يصل الى ما يصبو اليه من تحقيق انفراج أو تأكيد على انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان حتى لو كان وعداً مستقبلياً.
واقعياً، وصل مسار التفاوض إلى ما يشبه الحائط المسدود، لأن العقدة لم تعد تقنية أو عسكرية أو حتى في ما كُتب في اتفاق الإطار وملحقه الأمني، بل لأنها مرتبطة بمآلات الصراعات الإقليمية الأوسع، من التفاهم الأميركي الإيراني إلى التوازنات في المشرق، ومن سيكون على طاولة الكبار حين تقرير مستقبل المنطقة.
ويبدو أن أبرز الملفات المطروحة، جميعها تجعل الموقف اللبناني مليئاً بالتحديات:
1- جولة تامبا:
تبدو جولة تامبا أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة والحفاظ على استمرار المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي، ولو بالحد الأدنى، منها إلى محطة قادرة على إنتاج تسوية فعلية.
تكمن المشكلة الأساسية في أن واشنطن وتل أبيب تنطلقان من مقاربة تضع أمن إسرائيل في رأس الأولويات، فيما ينطلق لبنان من أولوية استعادة السيادة الكاملة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وبين المقاربتين فجوة واسعة يصعب ردمها في ظل غياب تفاهمات إقليمية أوسع توفر الأرضية اللازمة لأي تسوية مستدامة.
2- مستقبل اليونيفيل:
يبرز ملف اليونيفيل بوصفه أحد أخطر التحديات التي يواجهها لبنان. إن خروج القوة الدولية من الجنوب من دون توفير بديل أمني واضح يعني عملياً نشوء فراغ سوف تستفيد منه إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض. لطالما شكّلت اليونيفيل عامل مراقبة وحضوراً دولياً يمنع تحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة بالكامل أمام الإرادة الإسرائيلية.
ويبدو أن “إسرائيل” تنظر إلى ما بعد اليونيفيل باعتباره فرصة لإعادة هندسة الواقع الجغرافي والأمني في الجنوب. كل المؤشرات تدل على أن الهدف الإسرائيلي يتجه نحو تكريس منطقة عازلة طويلة الأمد داخل الأراضي اللبنانية، تتحول تدريجياً إلى أمر واقع دائم. الهدف أن يصبح “الخط الأصفر” حدوداً أمنية جديدة تفرضها “إسرائيل” بقوة الأمر الواقع.
3- مسار التفاوض:
تسعى إسرائيل الى الحصول على توقيع لبناني على ترتيبات أمنية جديدة تضمن أمنها على المدى الطويل (كما ورد في الاتفاق الأمني)، من دون أن يأخذ لبنان المقابل “المنطقي” الذي يشكّل جوهر أي تسوية: الانسحاب الإسرائيلي وسيادة لبنان على أراضيه، وعودة الأهالي الى أراضيهم.
كما أن “إسرائيل” لا تبدو مستعجلة للوصول إلى تسوية نهائية مع لبنان في هذه المرحلة، إذ قد يكون التأجيل بالنسبة إليها خياراً يتيح لها اكتساب مزيد من أوراق القوة، واحتلال الأرض، ومراقبة مسار التحولات الإقليمية وتبلور موازين القوى الجديدة قبل اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بالحدود والترتيبات الأمنية.
في النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر النظر إلى الملف اللبناني باعتباره ملفاً منفصلاً يمكن حسمه عبر جولة تفاوضية هنا أو تفاهم أمني هناك. أصبح لبنان، شاء أم أبى، واحداً من ملفات التفاوض الإقليمي الكبرى التي ستكون مطروحة على الطاولة. لذا فإن مصير الجنوب والاحتلال الإسرائيلي فيه، وشكل الترتيبات الأمنية المقبلة، كلها قضايا ستتأثر بموازين القوى التي تتشكل في المنطقة أكثر مما ستتحدد داخل غرف التفاوض اللبنانية الإسرائيلية نفسها.
صحيح أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تبقى أحد المفاتيح الأساسية، إلا أن المشهد الإقليمي بات أكثر تعقيداً من أن يُختزل بهذا البعد وحده. تشهد المنطقة إعادة تشكيل لموازين القوى بين دولها الفاعلة، وفي مقدمتها “إسرائيل” وإيران والسعودية وتركيا، ولكل من هذه القوى رؤيتها لمستقبل الإقليم وموقعها فيه. وفي خضم هذا التنافس، تحوّل لبنان إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والضغوط والتسويات المحتملة، وبات مصيره مرتبطاً بما ستؤول اليه تلك المنافسة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
