محمد غزالة – رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية
لم يعد المشهد الممتد على طول خط الحدود الدولية في جنوب لبنان مجرد مواجهة عسكرية تقليدية المحاور؛ بل تحوّل، بفعل آلة التدمير الإسرائيلية، إلى عملية مسح جيو-عسكري ممنهجة لم تشهدها المنطقة منذ عقود. إن نسف أحياء سكنية بالكامل، وتسوية قرى تاريخية بالأرض، وجرف الأحزمة الزراعية، يثبت أن تل أبيب لا تخوض حرباً موضعية، بل تنفذ استراتيجية “الأرض المحروقة” القائمة على الحديد والنار.
بناءً على قراءات الباحثين والمحللين الاستراتيجيين الإقليميين والدوليين، يمكن تفكيك هذا السلوك العسكري العنيف إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: أمني وعسكري، وسياسي تفاوضي، وثأري سيكولوجي.
1. البعد الأمني والعسكري: صناعة “الحزام العازل” وتحييد الجغرافيا
يمثل التدمير من المنظور الأمني الإسرائيلي حلاً جذرياً لعقبات الميدان وتحديات المستقبل، وينطوي على هدفين أساسيين:
- تأسيس منطقة عازلة (Buffer Zone): تسعى إسرائيل إلى تحويل الشريط الحدودي بعمق يتراوح بين 3 إلى 5 كيلومترات إلى منطقة “غير قابلة للحياة السكنية” [أكسيوس]. إن مسح البنية التحتية، والمرافق العامة، وشبكات المياه والكهرباء يهدف إلى منع عودة السكان المدنيين مستقبلاً، وبالتالي حرمان المقاتلين من أي بيئة تمويهية أو غطاء بشري وعمراني يتيح لهم التمركز على مسافة صفر من المستوطنات الشمالية.
- تفكيك العقد الدفاعية الأرضية: بدلاً من خوض مواجهات برية مكلفة ومباشرة داخل الأزقة والقرى المفخخة، تعمد القوات الإسرائيلية إلى تكتيك النسف الشامل لتدمير ما يُعرف بـ”المحميات الطبيعية” وشبكات الأنفاق، ومخازن السلاح والتحصينات التي شُيدت تحت الأرض على مدار سنوات. النسف هنا هو أداة هندسية لـ”تسطيح الجغرافيا” وجعلها مكشوفة بالكامل أمام سلاح الجو والمسيرات.
2. البعد السياسي والتفاوضي: الدمار كأداة لفرض الشروط وقضم الحدود
في الحسابات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا ينفصل حجم الدمار في الميدان عن طاولة المفاوضات الدبلوماسية:
- صناعة أوراق ضغط قاسية: تعتمد تل أبيب على قاعدة أن “حجم ركام القرى يحدد سقف التنازلات السياسية للخصم”. يهدف المشهد التدميري المروّع إلى الضغط على المفاوض اللبناني الرسمي، ومن خلفه المجتمع الدولي، للقبول بترتيبات أمنية بالغة الصرامة تتجاوز الصيغة القديمة للقرار 1701.
- فرض معادلة “نموذج الجولان أو سيناء”: تسعى إسرائيل عبر فرض واقع الركام والتهجير القسري إلى تخيير الدولة اللبنانية بين أمرين: إما القبول بنشر قوات دولية أو خطوط أمنية مرنة تمنع عودة اللبنانيين للحدود (نموذج الجولان)، أو انتزاع اتفاق بإشراف وضمانات أمريكية ودولية صارمة تضمن خلو منطقة جنوب الليطاني من أي مظاهر مسلحة بشكل كامل وقاطع قبل السماح بإعادة الإعمار (نموذج سيناء).
3. البعد الثأري والسيكولوجي: تحطيم معنويات الحاضنة وترميم “الردع المتآكل”
يحمل الإفراط في استخدام القوة النارية بُعداً نفسياً عميقاً يرتبط بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية والصدمات الوجودية الأخيرة:
- استعادة صورة “الجيش الذي لا يقهر”: عانت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية من شرخ وجودي وتآكل حاد في هيبة الردع بعد الفشل الاستخباري المدوّي في تشرين الأول 2023 وما تلاه من حرب استنزاف طويلة وممتدة. أمام العجز عن تحقيق “حسم عسكري صاعق” وواضح في الميدان، يلجأ الجيش الإسرائيلي إلى إنتاج “صورة نصر بديلة” تتجسد في لقطات تفجير المربعات السكنية وتصويرها من الجو، لإقناع الشارع الإسرائيلي الداخلي بقدرة الجيش البطشية.
- تطبيق “عقيدة الضاحية” الموسعة كعقاب جماعي: يهدف الحرق والنسف الممنهج إلى تدفيع البيئة الشعبية الحاضنة للعمل المسلح ثمناً باهظاً لا يمكن تحمله. هذه السياسة الانتقامية تسعى لإحداث شرخ عميق بين المجتمع المدني الجنوبي والقوى الميدانية، عبر إيصال رسالة سيكولوجية مفادها أن “ثمن المقاومة هو المحو التام لإرثكم البشري والحجري”، مما يفرز ضغطاً داخلياً يطالب بنزع السلاح كشرط وحيد لتأمين العودة والبناء.
خلاصة القول:
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم ليس مجرد آثار جانبية لعمليات قتالية، بل هو تطبيق عملي لمخطط ثلاثي الأبعاد؛ يلتقي فيه الهاجس الأمني لتصفية الجغرافيا، مع الانتهازية السياسية لفرض شروط الاستسلام، تحت غطاء من النزعة الثأرية لترميم عقيدة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم ليس مجرد آثار جانبية لعمليات قتالية، بل هو تطبيق عملي لمخطط ثلاثي الأبعاد؛ يلتقي فيه الهاجس الأمني لتصفية الجغرافيا، مع الانتهازية السياسية لفرض شروط الاستسلام، تحت غطاء من النزعة الثأرية لترميم عقيدة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
