الدكتورة كلود مسلم تكتب: الشهادة هي ذروة “ثقافة الحياة”.. حين يصبح بذل النفس صدى مشرفاً للوجود
يتعرض الشعب اللبناني اليوم إلى غزو أجنبي ثقافي مصطنع ومالي ممنهج واعلامي تخريبي، ما ينقل بدوره أفكار ومبادئ متضاربة إلى عقول معظم الأفراد ، ويحور آلية ادراكهم لكل ما يحيط بهم ، ما يظهر في العديد من ردود الافعال في سلوكهم ، وأساليب معيشتهم وطرق التعبير عن افكارهم ، وطبيعة إمكاناتهم المادية ، و أخطرما في هذا الغزو ، انه يسيطر على الأفكار و الآراء و المعتقدات و يشتت المعايير و القيم الاساسية ، بحيث أصبح لديهم الكثير من العبارات و العادات و التقاليد والأعراف والبدع الخاصة ، يتمسكون بها في الكثير من الأحيان ، و يزيد الأمر خطورة عندما يصبح لمختزن هذا الغزو قيمة كبيرة بين الشباب اللبناني.
مع الاشارة الى أننا نعيش في بقعة من الأرض، اختارها الرب لتكون مهبط الاديان السماوية السامية ،والتي أضفت على ما سمي الشرق شرقاً ،لانبلاج شمس الخير ومطمع دسم لكل ما يسمى حضارة في العالم.
كما يؤدي الإنتشار الثقافي المستحدث عن طريق إنتشار وسائل التواصل الفكرية والإجتماعية، إلى كثير من التغيرات في نظم المجتمع اللبناني ، وأفكار أفراده وأدائهم اليومي ، ما انعكس على البناء الإجتماعي بأسره، وأدى إلى إنتشار العديد من المفاهيم ، بطرق مجتزأة كثقافة الموت وثقافة الحياة والحرية المهترئة والشذوذ بشتى اوجهه ، وحقوق المرأة دون تمكينها ، والعولمة المشرذمة ، والمجتمع المدني غير المتمدن …. ، ما كان له الاثر السلبي على كيفية تطبيق هذه المفاهيم وشرعنتها ، وهذا ما أحدث تناقضات جمة في حياة الافراد ، وحوّل اساليب الأداء داخل العديد من الأنظمة السياسية والإقتصادية والتعليمية والاسرية والدينية .
تلعب الكثير من وسائل الإعلام دوراً سلبياً على صعيد بث الفتن والمعلومات المغلوطة والأفكار المفخخة ، خدمة للجهات التي تنتمي إليها والتي تدعم كافة أنشطتهم مادياً ومعنوياً. هذا ما أثر الى جانب وسائل التواصل الإجتماعي على المواطن اللبناني وساهم في تشتيت افكاره ، وادى الى خلق برامج تستند الى مبادئ ومعلومات مغلوطة و كاذبة ،استطاعوا من خلالها تحويل الافكار والاهتمامات وتحوير الحقائق ،لجعلها تتناسب مع المخطط التخريبي الشامل .
ومن أبرز هذه الافكار يتجلى في تناول مفهوم ” ثقافة الحياة ” مقابل مفهوم ” ثقافة الموت” وكأن اللعب على المتناقضات بات من اسس السياسات الداعية الى تشرذم المجتمعات .
ففي ثقافة الحياة يمنح الانسان لحياته القيمة بشتى معانيها الراقية ،و عبر منحه الحياة والامل لمن فقد الامل، وجعل الحياة تنبض من جديد عبر أشخاص آخرين ، والابرز في ثقافة الحياة هي أن نعرف قيمة الوقت والوطن والانسان والتاريخ والمستقبل والدين والعائلة ، فنخاف على ضياعهم بحيث يمكننا القول أنه وفي الموت حتى هنالك ثقافة حياة.
فثقافة الحياة هي التي بها نحيا ونستمر ونعطي ، وعطاؤنا يتسم بالخير والمحبة والكرم والنضال لاننا نؤمن بأن “الله “محبة ، حيث تتجلى فكرة البذل والعطاء غير المحدود ، الى مواقع بذل النفس في سبيل ما نؤمن به ، وما يستحق أن نبذل أجسادنا وأروحنا في سبيله .
فالعطاء غير المحدود هو بذل النفس شهادة علوية مقدسة، من خلال إيماننا الراسخ بتعاليمنا السماوية ، وعنوان هذا العطاء هو “الاستشهاد”.
ومن هنا ومن اللحظة التي نقدم فيها أجسادنا على مذبح الوطن ، تبدأ مرحلة معاني الموت لثقتنا بما قاله الرب في كتبه السماوية ، بأن مذاق الموت بعد الاستشهاد هو بمثابة طعم رحيق الورود ورائحة ثوب “الله”.
فمن أعطى في حياته القصيرة كل حياته الغالية دفاعا عن حق أونصرة لمظلوم ،أو لصون وطن وكرامة بفرح وإندفاع وإستبسال بصدر مشرع لكل أنواع المخاطر، غير آبه بما سيصادفه من ويلات ،وفي قرارة نفسه بأن لا شئ أغلى من الهدف الذي من أجله عشق الموت هدية لعقيدته ولحياة من يبذل حياته لاجلهم .
اما ما قيل عن ثقافة ما بعد الحياة فمن وجهة نظري ليس للموت ثقافة بل الموت نتيجة، وهذه النتيجة اذا كانت عربون شهادة فهي الحياة بذاتها والخير كله ،واذا كانت نتيجة صدفة ولسبب عادي و طبيعي ، فلا ينال صاحبها سؤدداً أو مجداً، بل يحاسب بحسب أفعاله مرضية للخالق كانت أم لا .
من هنا يمكننا القول بأن المعنى الاساسي لوجود الانسان ،هو اعتراف كوني بقوة الخالق ، مع علمنا بأن الهدف من وجود الانسان هو الفلسفة في معرفة الخالق نفسه ، لذلك ميّز “الله” الانسان بفكر يرقى في مفهومه عن كل مخلوقاته، وليتشبه بأبطال ذكرت اسماؤهم في كتب “الله” مكرسة ، عاشوا خيرا وسلام وانتقلوا استشهادا وعطاء، وكانت حياتهم هي الرسالة والسر الكبير، وموتهم الصدى المشرف لهذه الحياة .
المصدر: صفحة زحليون
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
