لودريان والحوار المستحيل
جاء في صحيفة الجمهورية :
حوار على ماذا؟
على ان السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال، هل سينجح لودريان في جلب اطراف الانقسام السياسي والرئاسي الى طاولة الحوار؟ وعلى اي اساس سيقوم هذا الحوار؟
لا خلاف على أنّ الحوار، وطرح الأمور الخلافيّة على طاولة البحث والنقاش الموضوعي والعقلاني، يشكّلان المعبر الالزامي لفكفكة ايّ عقد مهما كانت صعبة وشائكة، وتقريب وجهات النظر وفتح الأبواب على حلول مشتركة. إلّا أنّ هذا الحوار لا يبدو أنّه لغة مقبولة حتى الآن في واقعٍ لبناني منقسم على ذاته، ومأسور بعداوات متبادلة بين مكوناته السياسية، أطاحت بسلسلة الدعوات المتتالية التي اطلقها رئيس مجلس النواب نبيه بري منذ ما قبل الشغور في رئاسة الجمهورية، الى الحوار على المستوى الوطني للتوافق على رئيس للجمهورية، وآخرها الدعوة التي أطلقها بعد جلسة الفشل الثاني عشر في انتخاب رئيس للجمهورية. كما اكدت في الوقت نفسه صعوبة الحوار على المستوى المسيحي، واستحالة الوصول الى قاسم مشترك بين اطراف كلّ منها يعتبر نفسه صاحب الأمر والقرار والكلمة العليا في الملف الرئاسي.
مصادر مواكبة للمسعى الفرنسي اكدت لـ”الجمهورية” أنّ لودريان بإعلانه انه عازم على إطلاق حوار بين اللبنانيين، وضع نفسه أمام مهمّة محفوفة بصعوبات كبرى، لا بل بفشل مسبق إن كان الحوار الذي يسعى اليه منطلقا فقط من كونه محاولة لإجلاس اللبنانيين على طاولة الحوار، لعلهم ينجحون من خلالها في تخطي انقساماتهم ويتفقون على مخرج للمأزق الرئاسي. وهو امر دونه مستحيلات مع تناقضات سياسية تسلك مسارات مختلفة مصادمة لبعضها البعض. ولو قُيِّضَ لمثل هذا الحوار ان ينعقد، فإنّ لودريان سيسمع بالجملة داخل غرفة الحوار، ما سمعه من اعتراضات واتهامات وتباينات بالمفرّق خارجها خلال لقاءاته واتصالاته التي أجراها في زيارته الاخيرة والنتيجة الأكيدة لهذا الحوار هي الفشل واستمرار الدوران في الحلقة المفرغة.
ولفتت المصادر الى ان التجربة مع التناقضات اللبنانية تؤكد بما لا يقبل ادنى شك أن لغة التمني والدعوات البيانية من بعيد الى حوار بين التوجهات اللبنانية حول الملف الرئاسي وكل ما يتصل به، لا تسري في هشيم السياسة اللبنانية المعقدة. وبالتالي، لكي يكون هذا الحوار مُستجابا له بلا تردد، ومجديا ومحطة لكسر الانسداد الرئاسي، ينبغي أن يأتي في إطار ملزم يحدّد شكل الحوار، ومستواه، وزمانه ومكانه، وجدول أعماله، أي خريطة عمل تتمتّع أوّلاً بقوة الجذب، والجلب والدفع بالجميع إلى طاولة الحوار من دون شروط مسبقة، وتتمتع ثانياً بقدرة إلزام الجميع على فتح ممرات آمنة للملف الرئاسي تُفضي الى ايجابيات تنهي المأزق الرئاسي.
وردا على سؤال عما اذا كان مثل هذا الحوار ممكنا، قالت المصادر: فلنعترف اولاً انّ باب الحوار الداخلي مقفل، واطراف الداخل جميعها منقسمة على هذا الحوار، وبمعنى أدق كل طرف يريد حوارا يحقق له مشيئته وما يريده، وفي هذا الجو لا يمكن لأي حوار لبناني أن ينتج ولو انتظرنا مئة سنة. وثانياً، اللبنانيون في محطاتهم الاساسية احترفوا مسألة وحيدة هي حرق المراحل والفرص، ولا يذهبون الى الحلول طواعية بل بالاكراه، او بعدما تقع الواقعة ويسقط الهيكل، والامثلة عديدة منذ الطائف وصولاً الى الدوحة. وتبعاً لذلك، فإنّ الحوار المجدي والملزم بنتائجه امر ممكن جدا اذا ما كان إنفاذا لقرار دولي جدي جامع بين الدول الكبرى المؤثرة بلبنان بحسم الملف اللبناني. تتشارك فيه الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا ومعهما السعودية وسائر الدول المعنية بهذا الملف.
