هل أصبح عصرنا محكومًا “بنظام التفاهة” ؟
لقد تم تطبيق نظرية تشومسكي نعومي اللغوية المتكونة من نقاطها العشرة للمنظر الامريكي المعروف لإدارة المجتمع كما بدأنا نرى تطبيقًا واضحاً لنظرية (الكاتب ألان دونوا الذي يعيش في مونتريال) حيث يعمل محاضراً في علم الاجتماع ، التابع لقسم العلوم السياسية بجامعة كيبك، مؤلف كتاب (نظام التفاهة) على أرض الواقع.
اليوم أصبح التافهون هم المنتصرين في معركتهم أمام مدرسة الأخلاق والقيم وكأنني أرى إستلامهم مقاليد الحكم أكثر قرباً من ما مضى حيث قُلد الكثيرون الاوسمة والجوائز الثمينة في محافل ومنصات دولية وليس صدفةً أن تاتي الممثلة الاباحية اللبنانية (على سبيل المثال وليس الحصر )مايا خليفة كي تلقي محاضرة في جامعة كامبريج العريقة التي حاضر بها أينشتاين وماكس ويل وعمالقة لا حصر لهم من حاملي جوائز نوبل ونلاحظ قنوات تلفزيونية تنشر الخرافة الدينية والكراهية أو قنوات للمنجمين و قراءة الكفّ ، فهناك تغيير ملحوظ في مفاهيم الضرورة والحق والقيم والأخلاق حتى مفهوم الإنسانية في منظومة الفكر الجماعي اصبح ينتابه الشك في كل هذه المفاهيم التي بدأت تتحرك الى معسكرٍ آخر له ألوانه الخاصة التي اعلنها عبر بطاقته الجندرية ، و من خلال أعلامه ورموزه سواءً في المذاهب الدينية او السياسية التي اخذتنا بعيداً عنّ علم الدولة الواحد وصولاً الى منظمات المجتمع المدني و المليشيات.
لقد أصبح نظام الفوضى سائداً فأصبح الدستور مسألة فيها نظر والقانون معطلًا وإنني لأرى الخطر الحقيقي أصبح داهماً وخصوصاً إن استلم هؤلاء التافهون مقاليد الحكم ، حيث باتوا قريبين جداً، فهم الآن في حكم الصف الأول في الدولة وطالما نرى ونسمع اخبارًا عن احتفالات للمثليين داخل قواعد الجيش الامريكي حيث شارك فيها جنرالات متحولون جنسياً و نلاحظ مشاهد تُكرّس الخُرافة والتطرف في معسكرات المليشيات التي تفرض وجودها مقابل الجيش النظامي حيث اصبح واقع حال.
لقد غابت المبادئ والقيم التي كنا نعتبرها اساس الأخلاق والأصول الطيبة والسيرة الحميدة التي أرست قواعدها العالمية المعاصرة من بنية تحتية ومؤسسات ضخمة و برامج البحث العلمي والقواعد الأكاديمية العريقة والتي باتت في خطر الانقراض أو التحول من الشرنقة الى الدودة ، أضف إلى ذلك التدخل المستمر لسفارات الدول المحورية كأدوات معاصرة بديلًا عن الاستعمار العسكري الذي بات باهظ الثمن واستبدل بالقوى الناعمة.
هذا التدخل في منهجية دول العالم الثالث أصبح يُشَكّل عقبة من الصعب تجاوزها لوجود طابور خامس ملقح ضد كل التغيرات ويمدّ جذوره عبر الاجيال.
هنا يُطرَح السؤال الأهم كيف سينتهي بنا الأمر بعد غياب القيم والمبادئ الراقية ؟
وكيف اذا ترأسها الفساد المبرمج على التغبير الهادئ لمعاير الذوق العام والاخلاق الفاضلة والقيم الأصلية ليصبح العلوج والصعاليك والمخانيث بجانب المتطرفين على سدة القرار السياسي ؟
يبدو لي اليوم أنهم إستطاعوا أنّ يحسموا مواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعيي بل اصبحت شريحة الشذوذ والمشعوذين والمنحرفين والتافهين والمتطرفين في ريادة مواقع التواصل الاجتماعي والمتابعون بمئات الآلاف بل البعض منهم بالملايين فكلما إزداد هؤلاء في الإسفاف والابتذال والهبوط كلما إزدادت جماهيريتهم و شهرتهم فاليوم لا نجد أديباً أو فناناً حقيقياًو عالمياً على وسائل التواصل الإجتماعي حيث أنه إمّا منشغل في مكتب أو مختبر أو في مراكز البحث العلمي أو في مجال التقنيات فضلاً عمنّ يقضون حياتهم في ميدان الحياة الواقعي هؤلاء هم العمالقة الحقيقيون و من ساهم في انشاء البنية التحتية والخدمات التي تمثل العصب الحقيقي للحياة حيث تتجاهلهم شبكات التواصل الاجتماعي عن قصد.
أستطيع أن أقولها وبكل أسف و بالفم الملآن أنّ سياسات مراكز التواصل الاجتماعي نجحت في تنفيذ خطط مطابخ المنظمات المتحكمة في شهرة التافهين ولكن ليس عبر تفاهاتهم بل خلقت مفردات جديدة ومسميات تغطي على تفاهاتهم وتجعل من المتابعين أناسًا تافهين يتبعون أكذوبة و خيال تخلقها الفلاتر الالكترونية كي تجعل من الصور الطبيعية عبر التطبيقات الالكترونية لمعدلات الجمال فتراهم كلّهن ملكات الجمال و يغدو القردة غزلاناً حيث صار بإمكان الفتيات إضافةً لذلك أنّ يبرزن بعض مفاتنهن مصحوبةً بحركات ليزيدوا من رقم المتابعين و لكي يحصلوا على دخل إضافي في حياتهم هكذا تعمل الدعارة الالكترونية ، بل أصبح عند البعض هو الدخل الأول، ناهيك عن المتحولين جنسياً مثل هيفا ماجك وغيرها على الساحات العربية اما في الجنس الخشن فترى شاباً وسيمًا فارغًا يعرض عضلاته بفولتية منخفضة ليزيد من متابعيه ، كل هؤلاء إستطاعوا أن يفرضوا أنفسهم على المتابعين عبر عدة منصات ترويج وحتى شاشات التلفاز الرسمية باتت منصات هلامية وغير منتجة للثقافة الهادفة للتطور ، لا تزودنا بأي برنامج هادف يعمل من اجل الاصلاح ومواكباً لتحديات المرحلة ولكن أصبح عنواناً مزيفاً ليعبر بنا الى العولمة وكل هذا الغزوات الثقافية هو بمثابة تغير جيني لمجتمعات اليوم بل هو بمثابة تغيير ديماغوجية لنفي الهوية الثقافية لشعوب المنطقة التي مدت جذورها الى مهد الحضارات.
مازال هناك جيل عاش حقبة الاخلاق الفاضلة والقيم النبيلة ، نحن ابناء التربية الكلاسيكية (وإنّ كنا غير منزهين من الخطأ ) ولكننا فاعلين ومثمرين وللأسف نعيش الآن لنرى مراحل الإنحلال والتفاهة وبالتالي يصعُب علينا ان نحدد معالم مستقبل الجيل القادم والاثمان التي سيدفعها من خلال استنزاف طاقاته على مختلف الأصعدة وحتى مسخه الى حالة الرق المعاصرة، نحن حقيقة ً نتجه الى حقب جديدة من جاهلية معاصرة بأدوات إلكترونية ومعلوماتية ضخمة قد تؤدي الى كوارث حقيقية وكأنني اراها مقبلة وليست بالبعيدة ونسأل الباري أن يرأف بالعباد.
- نذير آل حويز / مفكر عراقي
