نهر الليطاني من شريان للحياة إلى بؤرة للموت
كتب الصحافي جمال الرمح :
أنا أشعر أنني لا أعيش بشكل جيد كباقي اصدقائي في غير مناطق، فنهر الليطاني يمر بجانب منزلي .
أنا حزينة جدا لانني فقدت أصدقاءً لي أصيبوا بمرض السّرطان ، ونهر الليطاني أصبح يشكل اليوم خطرا كبيرا على حياتنا؛
هذا ما قالته الفتاة العشرينيّة لارا يزبك من بلدة حوش الرّافقة البقاعية شمال شرق لبنان، وتعاني بلدتها بشكل مباشر من تلوّث نهر الليطاني كغيرها من البلدات المحيطة، ولها النصيب الاكبر من الإصابة بمرض السرطان.
نهر الموت هجّر الاهالي
في الآونة الاخيرة ومع ازدياد تلوّث نهر الليطاني وآثاره الكارثية على المواطنين، عمد بعض المواطنين إلى هجر منازلهم القريبة من النهر والبحث عن منازل بعيدة عنه؛ وكأن المواطن لا تكفيه همومه وأوضاعه الاقتصادية الصعبة ليأتي نهر الموت ويجهز عليهم ويدمر أحلامهم، فتسأل شاب ما هو حلمك فتتوقع أن يكون جوابه الزواج، السفر لكنّك تقف مذهولا عندما يقول أنّ حلمه هو التخلّص من تلوّث نهر الليطاني.
نهر الليطاني ثروة طبيعية أم شريان موت؟
يبلغ طول نهر الليطاني حوالي ١٧٠ كلم، وتبلغ قدرته المائية تقريبا ٧٧٠م³ سنويا، فهو يربط سهل البقاع اللبناني بالجنوب، وينبع من ينابيع العلّيق في بعلبك ويصب في البحر المتوسّط على بعد ثمانية كيلوميترات من شمال مدينة صور.
أطول نهر في لبنان كان يشكل ثروة مائية طبيعية ، لكنه مع الوقت أصبح يلقب ب “نهر الموت” ، حيث بات يشكّل خطرا يتعاظم مع مرور الوقت. تبدو حركة مياه النهر ثقيلة بفعل “السيانوبكتيريا” ونفايات المصانع ومياه مجاري الصرف الصحي التي تتدفق منذ اكثر من ٣٠ عاما.

أبرز الأسباب التي أدت إلى تلوّث نهر اللّيطاني
يتمثل هذا الاستغلال العشوائي بوجود :
١_آلاف الآبار الجوفية في الاحواض التابعة للمصلحة ، التي تستنزف طاقة الخزان الجوفي عن طريق الإستغلال الجائر له.
وهذه الظاهرة الخطيرة أدت إلى تخريب العديد من الينابيع المتفجرة وإلى انخفاض خطير في مستويات المياه الجوفية ، تبعه انخفاض في مستويات المياه السطحية.
٢_غياب الرقابة وسلطة القانون أنشئت مئات محطات الضخ المائي على مجاري الأنهر ونقاط المياه ، وساهمت هذه المحطات في اختفاء العديد من الينابيع وفي تدهور الكثير من الأنهر الدائمة وتحجيم تصريفها:
69 بلدة في الحوض الأعلى (بناء على مسح المصلحة) + حوالي 15 بلدة في الحوض الأدنى (بناء على مسح شركة ELARD) تلقي الصرف الصحي مباشرة في أراضٍ مكشوفة و/أو مباشرة في النهر دون أية معالجة أولية. تجدر الإشارة إلى أن باقي البلدات تقوم بتحويل الصرف الصحي إما إلى البحر أو جور صحية (غير معروف مدى فعالية معالجتها للمياه المبتذلة)، واستطاعت المصلحة تأمين حلول بديلة في بعض بلدات الحوض الادني لا سيما عدلون، العباسية، شبريحا، برج رحال، الخرايب، بلاط، القليعة، كفركلا.
٣الحجم التقريبي لكميات الصرف الصحي في النهر: بالاستناد إلى المعطيات والأرقام والإحصاءات المتداولة عن عدد السكان في حوض الليطاني حوالي 46 مليون م3 سنويا تصب بمعظمها في النهر مباشرة أو تتسرب إلى المياه الجوفية وذلك في ظل غياب أو تعطل محطات التكرير.
٤. المساحات المروية بالصرف الصحي: تشير التقديرات الى أن المساحات التقديرية للأراضي الزراعية على ضفاف النهر (على بعد 2 كلم على جانبي النهر) تبلغ حوالي 8396 هكتار وذلك بالاعتماد على خرائط استخدامات الأراضي حيث أن هذه الأراضي كلها قابلة للري من النهر بشكل مباشر. وبحسب بعض المعنيين والخبراء في المنطقة، فان أكثر من 1000 هكتار من هذه الأراضي يروي صيفا من النهر أي من مياه الصرف الصحي. أوقفت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني العمل بمشروع قناة ري 900 والذي يروي من مياه بحيرة القرعون حوالي 2000 هكتار من الأراضي الزراعية.
٥. واقع محطات معالجة الصرف الصحي في حوض نهر الليطاني:
10 محطات معالجة في الحوض الأعلى (3 قيد التحضير و7 قائمة وتعمل لكن ليس بالقدرة والفعالية المطلوبة + شبكات الصرف الصحي غير مكتملة).
16 محطة معالجة في الحوض الأدنى (11 قيد التحضير و5 قائمة لكن ليس بالقدرة والفعالية المطلوبة + شبكات الصرف الصحي غير مكتملة).
( بحسب المصلحة الوطنية لنهر الليطاني).
كما وأشار رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني د.سامي علوية ردا على سؤال حول العوائق التي تواجه الخطة التي أقرت بموجب القانون 63، إلى أن المشكلة أساسا هي في امرين الاول بسبب غياب آلية لتطبيق القانون 63 الذي اوجد اعتمادات إلا أنه لم يطرح آلية لانفاق هذه الاعتمادات أو الاجراءات أو تحديد الاولويات ، كما نص القانون على مجموعة من التدابير لحماية حوض الليطاني، إلا أنه لم يخصص اعتمادات مباشرة لتنظيف النهر بل خصصها لمشكلة مصادر التلوث.
وأكد علوية في تصريح له، أنه “لا يوجد مشكلة بالوزارات فيما يتعلق بالقانون 63 وإنما الإشكال هو في الوضع العام في البلد واداء الادارات العامة في البلد، موضحا أن المشاكل التي يعانيها حوض الليطاني من مياه وبيئة يعانيها كل لبنان، والمشكلة اليوم ليست بالليطاني بل المشكلة بعدم تطبيق القوانين”.
وأشار علوية إلى أن القانون 63 نص على اعتماد بقمية 1068 مليار ليرة لشبكة الصرف الصحي ومحطات التكرير، وهذه الاعتمادات مخصصة لوزارة الطاقة، إلا أن مجلس الانماء والإعمار هو من ينفذ هذه المشاريع وقد امن اعتماداتها من خارج القانون 63، وعليه دور وزارة الطاقة في هذا الملف بات أقل من الدور المرسوم لها. ولفت إلى أن مخصصات وزارة البيئة هي 25 مليار ليرة تتعلق بالنفايات الصلبة والمطامر الصحية والنفايات الطبية، إلا أن الخطى لازالت ضائعة في تطبيق هذه الاعتمادات، وشدد على أن بعض الاجراءات المطلوبة من وزارتي الصناعة والزراعة لم تتقدم.
حلول مقترحة للحد من التلوث
يُعد أمر في غاية الأهمية ومسألة يجب النظر إليها بشكل خاص ولذلك للحفاظ على صحة الإنسان. حيث أن مشكلة تلوث الماء يتبعها عواقب تعود بالضرر على الإنسان والبيئة.
بعض الحلول:
عدم تصريف مياه المجاري إلى المسطحات المائية، والذي يؤدي إلى تلوث مياه البحر والنهر، والعمل على معالجتها قبل وصولها إلى المسطحات المائية المختلفة، وإعادة استعمالها في ري التربة والمزروعات.
2- استخدام الأجهزة المضادة للتلوث في المصانع الحديثة والجديدة أحد حلول تلوث المياه.
3- دفن النفايات والمخلفات الصناعية بعيداً عن المياه الجوفية في الدول.
4- بناء محطات معالجة المياه وتنقيتها تعد أحد حلول المشاكل.
5- الحد من استخدام المبيدات الحشرية الضارة على البيئة، وتسبب أيضاً تلوث التربة.
6- عدم إلقاء القاذورات والنفايات في المسطحات المائية أحد حلول المشكلة.
7- إقامة حملات توعوية لتوعية الناس حول أسباب تلوث المياه، وكيفية حماية المياه من مشكلة التلوث والأضرار التي يسببها في مراكز الإعلام والمراكز التعليمية، وتقديم حلول ومناقشات لحل مشكلة تلوث المياه.
هذا هو نهر الليطاني الذي يطبع “نظريا”في عقول اللبنانيين . لكن عندما تبحث عنه في كتب الجغرافيا، أو في محرّك غوغل، أو في… ذاكرتك، حيث تختبئ صور عتيقةٌ قليلةٌ لأشياء لم تعد. هناك، تراه جارياً آمناً.
إن نهر الليطاني يوازي بأهميته في لبنان ما تمثله أنهر السين والراين في فرنسا، يتألف الحوض الأعلى للنهر من قسمين ملوثين،فإن أسباب “المصيبة الكبيرة” التي حلت بـ”شريان الليطاني المائي” في البقاع، لا يمكن حلها من دون “خبراء”. بينما الدولة تتعمد إبعادهم عن الحلول المقترحة، في سعيها لإتمام سمسراتها على حساب صحة الناس وحياتهم . فإن تلوث الليطاني هو وجه من أوجه الفساد المستشري في لبنان عموماً، والذي أمات بحيرة القرعون بسبب إهمال الدولة.
