المشاركة المدنية ودورها في انقاذ لبنان من أزمته؟/ د. أحمد محمد قاسم
هناك شبه اجماع على أن الازمة التي يمر بها الوطن هي من أصعب الأزمات، فعملتنا الوطنية انهارت والتضخم تجاوز ارقاما” قياسية، حيث سجّل لبنان ثاني أعلى نسبة تضخم في أسعار الغذاء حول العالم، وذلك في الفترة الممتدّة ما بين شهر كانون الأوّل 2022 وكانون الأوّل 2023، وقد بلغت نسبة التغيّر السنويّة في مؤشّر تضخّم أسعار الغذاء 208 في المئة بناء” على الأرقام الصادرة عن البنك الدولي في عدد من البلدان حول العالم.
ومما لا شك فيه ان العديد من المنظمات العالمية تعتبر ان بلدان العالم الثالث ما زالت بعيدة عن تحقيق الديمقراطية مما يؤدي الى حرمان مواطنيها من حقوقهم والى استمرار معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي انسداد أفق الامل بحياة كريمة، وتعزو أسباب تأخرها في بلوغ الديمقراطية وتحقيق استقلاليتها في ادارة شؤونها الى عدم نضوج المجتمع المدني وغياب الثقافة السياسية، مع العلم انه في السنوات الاخيرة كانت هناك محاولات لاعادة بناء هذا المجتمع وتثقيفه من اجل اشراك الشعب في ادارة شؤونه والضغط على الحكومات من أجل ترشيد سياساتها واصلاح انظمتها ومكافحة الفساد وتعزيز دور الشباب والمرأة والفئات المهمشة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
هذا ما أطلق عليه لاحقا” اسم المشاركة المدنية والذي ينبع من شعور الفرد بالمسؤولية تجاه مجتمعه وبان اي حدث هو معني به وانه سوف يقوم بما يملي عليه واجبه من اجل اصلاح هذا الخلل وكل ذلك يتم ضمن اطار احترام قيم حقوق الانسان والتعاون والادماج والانصاف واحترام التنوع، مع العلم ان هذه المشاركة تتأثر بالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد، ومن خصائص هذه المشاركة ان تعمل ضمن اطار الدولة وان تكون دينامكية ومستقلة غير حكومية وان لا تستعمل العنف.
فهذه المشاركة تهدف الى بناء مجتمع أفضل يتم تعزيز حقوق الانسان واحترامها من قبل السلطات والمواطنين على حد سواء، والى تأمين الرفاهية للمواطن.
يحتاج لبنان الى تعزيز دور المشاركة المدنية والى تثقيف وتوعية هذا المجتمع من أجل الخلاص من أزمته والتي تحتاج الى ما يلي:
1-تطوير أسس النظام الديمقراطي: الديمقراطية تعني حكم الشعب، وهي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير الى ثقافته وتتجلى ابهى صوره بسيادة القانون والفصل بين السلطات واطلاق الحريات والتعددية الحزبية والمحاسبة والمساءلة وانتقال السلطات بالمواعيد المحددة.
هنا يجب ان تبنى الانتخابات على أساس البرامج لا على الاساس الطائفي، ويجب ان تكون المساءلة موجودة وغير شكلية لانه من دونها لا يمكننا الجزم بان هذا النظام قد ارتقى الى مرتبة النظام الديمقراطي، وحالنا كما دول العالم الثالث يفشلون ويبقون، فالانتخابات المسرحية لا تعد ديمقراطية.
2-التنمية المستدامة: التنمية تعني التركيز على مواطن الضعف في مجتمع ما سواء أكان اقتصاديا” ام سياسيا” ام أجتماعيا”، وتساهم القوى الداخلية والخارجية مجتمعة بتحقيق التقدم والتنمية في مختلف الابعاد، والعمل على تقوية نقاط الضعف التي تعاني منها، كما تسعى الى تفجير الطاقات الكامنة لدى الافراد بفتح أفق الابتكار والابداع أمامهم، وهي تهدف الى التخلص من الفقر ومعالجة محو الامية والتخلص من البطالة بتوفير فرص العمل كما تهتم بتحقيق العدالة والمساواة في توزيع الثروة القومية بالاضافة الى تمكين الافراد من حرية التعبير.
3-الحوكمة: وهي تعني التوجيه اي وجود نظم تحكم العلاقات بين الاطراف الأساسية من أجل تحقيق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد، فالحوكمة تعني كذلك ادارة المرافق العامة والموارد الطبيعية استنادا” الى احكام القانون بما يضمن نموها المستدام ويراعي المصلحة العامة وحقوق المواطنين، ويتحقق ذلك من خلال ادارة الحكم بطريقة خالية من سوء المعاملة والفساد ومراعاة حقوق الانسان المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
توصي المؤسسات الدولية بلدان العالم الثالث بتطبيق مبادئ الحكم الرشيد من أجل ضمان تنمية متساوية وحقيقية وهي عامل مهم في جذب الاستثمارات الاجنبية، وهناك دراسات تربط بين الحوكمة الرشيدة وبين رفاهية الانسان، فكلما صلحت كلما زادت مساهمتها في تحقيق مستوى اعلى من الرفاهية لانها ترفع من عمل المؤسسات العامة والخاصة وتقضي على الفساد وتخلق ظروف ملائمة للنمو الاقتصادي والى احداث تغييرات في نوعية الخدمات وجودتها.
من أهم مبادئ الحوكمة: المشاركة، سيادة القانون، الشفافية، الاستجابة، العدالة، الشمولية، الفعالية، الكفاءة، والمساءلة.
اذا، نحن من أجل خلاصنا بحاجة الى المشاركة المدنية والى تثقيف المجتمع والى تعزيز الديمقراطية ومبادئ الحوكمة التي ان طبقت سوف تقضي على الفساد المستشري في كافة الادارات، وعند القضاء على هذا الفساد او تخفيضه الى نسب معقولة سوف نبدأ بالحديث عن الحكم الرشيد وعن التنمية وعن اعادة الثقة بين الدولة والشعب، وعن اعادة بناء لبنان، وبالتالي خروجه من هذه الأزمة.

