بعد اغتيال قادة من المقاومة: تفعيل قدرات الردع في الحرب المصيرية / د. محمد حسن خليفة
هو الأسبوع العدواني بامتياز من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، الذي بدأ في التفجيرين المتزامنين لأجهزة اتصال المقاومة (البيجر) والأجهزة اللاسلكية في 17 و18 أيلول 2024، والذي اعتبر حرباً إلكترونية غير مسبوقة، استهدفت مدنيين وأمنيين في المقاومة، معظمهم يتواجدون في مناطق مختلفة مكتظة بالسكان، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية، وخصوصاً القانون الدولي الإنساني، وتغييراً شاملاً لقواعد الاشتباك، وتوسيعاً للاستهدافات في مساحات جغرافية شاسعة، بالإضافة إلى جبهة الإسناد لغزة المفتوحة منذ 8 تشرين الأول 2023، بالرغم من محاولة المقاومة ومحورها وتحديداً إيران، الحفاظ على حصر الاستهدافات في المراكز العسكرية، وتجنب المسّ بالمدنيين، حتى أثناء رد المقاومة بتاريخ 25 آب 2024، على اغتيال القيادي فؤاد شكر بتاريخ 30 تموز 2023، عندما أعلن السيد حسن نصر الله بأن الرد كان دقيقاً في استهداف مراكز عسكرية استخبارية، وخصوصاَ عند استهداف الوحدة 8200، وطمأن المواطنين بأن هذا الرد سيكون أولياً بانتظار التقييم الشامل للرد، وإمكانية أن يكون الرد نهائياً، ودعا المواطنين في الضاحية إلى العودة إلى منازلهم، وهذا ما حصل بالفعل.
لقد توّج الأسبوع الدامي بقيام العدو بإطلاق صاروخين من طائرة طراز “إف 35″، استهدفا مبنىً سكنياً في الضاحية الجنوبية بتاريخ 20 أيلول 2024، بعد ورود معلومات استخبارية بعقد اجتماع رفيع المستوى في الطوابق السفلية للمبنى، بحضور كبار من قادة المقاومة، للتحضير للرد على التفجيرين المتزامنين، بعدما وعد السيد حسن نصر الله في خطابه بتاريخ 19 أيلول 2024، بأن التخطيط للرد سيكون في الدائرة الضيقة للمقاومة، ونتج عن الغارة التي استهدفت المبنى اغتيال القائد العسكري الكبير في المقاومة وعضو المجلس الجهادي ابراهيم عقيل، والقيادي أحمد وهبي الذي تولى مسؤولية قائد العمليات العسكرية لقوة الرضوان على جبهة الإسناد اللبنانية، منذ بداية معركة طوفان الأقصى حتى مطلع العام 2024، بالإضافة إلى استشهاد قادة آخرين معهما.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يعتبر اغتيال ابراهيم عقيل، الشخصية الرابعة من المطلوبين أميركياً، بعد القادة عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وفؤاد شكر، المتهمين من قبل الولايات المتحدة الأميركية بالتخطيط لتفجير السفارة الأميركية في بيروت في نيسان 1983، الذي أدى إلى مقتل 63 شخصاً، والتخطيط في قتل 241 جندياً أميركياً في ثكنات مشاة البحرية الأميركية في بيروت (23 تشرين الأول 1983)، والذي أدى إلى مقتل 241 عسكرياً أميركياً، والشهيد عقيل مدرج على قائمة العقوبات الأميركية وضمن القائمة الأميركية للتمهمين بالإرهاب، وقد صنفته أميركا عام 2019 “إرهابياً عالمياً”، كما أنه متهم بالمساهمة في احتجاز رهائن أميركيين وألمان في كانون الثاني 1987 في بيروت.
لقد تجرأت إسرائيل على استهداف الضاحية للمرة الثالثة، بعد اغتيال القيادي في حركة حماس صالح العاروري في 2 كانون الثاني 2024، واغتيال فؤاد شكر في 30 تموز 2024، وهو استهداف لم يراعِ تواجد المدنيين في أماكن الاستهداف، بحيث أن اغتيال القائدين شكر وعقيل، تسبب في استشهاد وإصابة عدد كبير من المدنيين، وهي تحاول بشكل دائم القيام بعمل استباقي لرد المقاومة على اعتداءاتها، التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، والتي يبدو أنها ماضية في أسلوب حربها الجديد، في استهداف قادة المقاومة، لتؤكد أن معادلة الردع السابقة لم تعد فعالة، وأن المقاومة عاجزة عن تصعيد مستوى الرد، كونها تحاول تجنب الانجرار إلى الحرب الشاملة، التي تعتبرها إسرائيل فرصة مناسبة، في خضم الانتخابات الأميركية التي ستجري في 5 تشرين الثاني 2024، وأن المرشحين الديمقراطي والجمهوري للرئاسة الأميركية يحاولان استقطاب الناخب اليهودي، ويتنافسان كل على طريقته، لتقديم أوراق الدعم المطلق لحماية إسرائيل، وهذا ما يستغله بنيامين نتيناهو لتوسيع الاعتداءات بهدف فرض شروطه في أية تسوية قد تحصل، والخروج من صورة الضعف التي بدت عليه إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى، وممارسة أميركا في بداية الحرب على غزة أقصى الضغوطات، لمنع أطراف من محور المقاومة بفتح جبهات ضاغطة على العدو الإسرائيلي، في لحظة إرباك غير مسبوقة في تاريخ الكيان، وقد نجحت واشنطن في ذلك، وحاولت تطمين تلك الأطراف، أن إسرائيل لن تبادر إلى تغيير قواعد الاشتباك في الجنوب، لكن ما حصل، بعد شعور إسرائيل بأنها أنجزت مهمتها في قطاع غزة بنسبة كبيرة، قامت بنقل قوات كبيرة إلى الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، لتوسيع دائرة الحرب تدريجياً، والمبادرة إلى تعديل كبير في قواعد الاشتباك، فارضة على المقاومة تحويل جبهة الإسناد إلى جبهة مفتوحة، والتعايش مع قواعد الاشتباك الجديدة، طالما أن المقاومة لا ترغب في الدخول في الحرب الشاملة.
لكن ماذا بعد استهداف الضاحية، واغتيال قادة من المقاومة، وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى المدنيين، وما سبقها من التفجيرين المتزامنين لأجهزة اتصال المقاومة، في عملية استخباراتية معقدة، لم تُراعى فيها الاعتبارات الإنسانية؟ وكيف سيكون رد المقاومة بعد إحراجها في بيئتها الداعمة لها بشكل مطلق؟ وماذا عن التشكيلات السريعة في الهيكل القيادي للمقاومة، خصوصاً أن المقاومة من المفترض أن تكون استعدت مسبقاً لأسوأ سيناريوهات الحرب؟ وهل هناك توسيع للرقعة الجغرافية المستهدفة في إسرائيل ودون أي اعتبار لتواجد مدنيين إسرائيليين؟
المقاومة تحتاج إلى إعادة معادلة الردع ضد العدو الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال، وإلا ستكون معظم المناطق اللبنانية مستهدفة في العمليات العسكرية الإسرائيلية لتحقيق أهدافها، ولن تسمح للمقاومة بالتقاط أنفاسها للرد على تلك العمليات النوعية، مستفيدة من المعلومات الاستخبارية التي تؤمنها لها جهات خارجية وداخلية، بالإضافة إلى تقوقها التكنولوجي في حربها ضد المقاومة، وهناك إمكانية لإعادة فرض تلك المعادلة، بحيث أن لدى المقاومة قدرات عسكرية كبيرة، ولديها منظومة صاروخية قادرة على فرض الردع، ووقف استغلال العدو للاعتبارات الوطنية لمنع توسيع الحرب، والقيام بما يعيد التوازن، بعدما حاول العدو عبر استهدافاته الأخيرة، الإيحاء بعجز المقاومة عن تفعيل معادلة الردع، بعدما أصاب جسمها القيادي مقتلاً، نتيجة تسارع عمليات الاغتيال في فترات زمنية متقاربة، كل ذلك تدركه المقاومة، وتعرف الغايات العسكرية والسياسية للعدو الإسرائيلي من تغيير قواعد الاشتباك، وفرض أساليب أخرى تمنع المقاومة من الرد المتماثل، وتراكم الضغوطات على المقاومة ومحورها، بحيث أن نفس الاعتبارات التي حكمت عمل المقاومة، تم اتباعها من قبل إيران، التي تأخر ردها على اغيتال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية في طهران بتاريخ 31 تموز 2024، في ليلة اغتيال القيادي فؤاد شكر، ووضعها في موقف محرج، كون العدو تجرأ على انتهاك سيادتها وقام بعملية اغتيال هنية، متسلحاً بعجزها عن الرد خوفاً من الانجرار إلى حرب إقليمية تريدها إسرائيل.
بعد التصعيد المتسارع في الحرب المفتوحة منذ 8 تشرين الثاني 2023، سيكون هناك رد نوعي من المقاومة، وهذه المرة لن يخرج السيد حسن نصر الله إلا بعد رد الاعتبار للمقاومة وبيئتها، التي لا زالت تملك الكثير من القدرات، وهي مهيئة لحرب استنزاف طويلة مع العدو الإسرائيلي، وهي استفادت من خبراتها المتراكمة منذ حرب تموز 2006، وقامت بتطوير قدراتها الصاروخية والميدانية، وامتلاكها لجيش من المقاومين قادر على مواجهة العدو الإسرائيلي، وأن المجازر والاستهدافات التي ارتكبها العدو في غزة ولبنان، تهدف إلى ترويع المقاومة واستنزاف بيئتها الداعمة لها، والتي تجاوزت أصعب المراحل في الصراع مع العدو، الذي خرج مهزوماً عام 2000، والمقاومة لازالت تدفع منذ ذلك الحين ثمن هزيمة إسرائيل، بعدما عجزت الجيوش العربية عن تحقيق ذلك، كما أن المقاومة لا زالت العقبة الأخيرة أمام عمليات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، وهي لن تسمح في التفريط بتضحيات آلاف الشهداء والجرحى في مواجهة العدو الإسرائيلي.
ما المطلوب في هذه الحرب المفتوحة؟
المطلوب تعبئة القدرات لخدمة المقاومة، والقيام بعملية سريعة لإعادة هيكليتها القيادية، واتباع أسلوب التوجيه المركزي مع التطبيق المنفرد للمجموعات المقاومة، لتجنب تدمير القدرات في ضربة واحدة، والسعي لإفشال العدو من اللعب بقواعد الاشتباك وأساليب الحرب، عبر الاستهدافات النوعية والمتزامنة الموجعة للعدو، والتي تؤكد استحالة عودة المستوطنين إلى الشمال، كما وعد سماحة السيد، لإحباط الهدف الأساسي من التصعيد، كما يمكن للمقاومة الإفادة من خبرات قادة عملوا في فترات سابقة في المجال المقاوم، طالما أن الحرب مع العدو قد تكون طويلة، وهذا الأمر في عهدة السيد حسن نصر الله، القادر على ردع العدو، وخروج المقاومة من المعركة منتصرة.
