“موسى الصدر، حين يغيب الجسد ويبقى المشروع” – بقلم الدكتور وشاح فرج
ثمة رجال إذا غابوا، لا يغيبون.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يغيب الجسد، لكن تبقى الكلمة، وتبقى الفكرة، ويبقى الأثر الذي لا تستطيع السنوات أن تمحوه. وهكذا هو الإمام السيد موسى الصدر؛ رجل لم يكن حضوره عابرا” في تاريخ لبنان، بل كان حالة إنسانية ووطنية وفكرية تركت في وجدان الناس ما هو أعمق من الذكرى.
ومع اقتراب 31 آب، ذكرى تغييب الإمام الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين في ليبيا عام 1978، نستعيده لا بوصفه شخصية غابت فحسب، بل بوصفه مشروعا” لا يزال حاضرا” في لبنان، وفي ذاكرة الناس، وفي كل من آمن بأن الإنسان هو القضية الأولى.
جاء الإمام الصدر إلى لبنان، فلم ينظر إلى الناس من وراء حدود الطوائف، بل اقترب من الإنسان، من الفقير والمحروم، من القرية والمدينة، ومن كل لبناني شعر يوما” أن وطنه لم يمنحه حقه.
كان يرى أن الدين لا يكتمل بعيدا” عن الإنسان، وأن العدالة الاجتماعية ليست ترفا”، وأن الدفاع عن الجنوب وكرامة اللبنانيين جزء من مسؤولية الوطن. ومن هنا نشأت مؤسسات، وتبلورت حركة المحرومين، وولدت أفواج المقاومة اللبنانية، في مرحلة كان فيها الجنوب يتعرض للاعتداء، وكانت الدولة عاجزة عن القيام بكل مسؤولياتها.
لكن الأهم في إرث الإمام الصدر أنه لم ير لبنان مجموعة طوائف متجاورة، بل وطنا” واحدا” لا يستقيم إلا بالحوار والعيش المشترك والعدالة والمواطنة. ولهذا استطاع أن يخاطب اللبنانيين جميعا”، وأن يفتح جسورا” مع القيادات الروحية والسياسية من مختلف الطوائف، وأن يجعل من قضية الإنسان مدخلا” إلى قضية الوطن.
ومن هنا تأتي الإشارة إلى دولة الرئيس نبيه بري.
فبعد تغييب الإمام الصدر، لم تنته الحكاية، ولم تسقط الراية. حمل نبيه بري أمانة الحركة في واحدة من أكثر مراحل لبنان قسوة وتعقيدا”، واستمر في تثبيت حضورها السياسي والوطني، وصولا” إلى موقع رئاسة مجلس النواب الذي يتولاه منذ عام 1992. وقد بقي، في خطاباته ومواقفه، يستحضر نهج الإمام الصدر ومشروعه في العدالة والوحدة الوطنية ومقاومة الاحتلال وبناء الدولة.
ولعل ما يجعل العلاقة بين الرجلين أعمق من مجرد علاقة قيادة وخلافة، أن السيد موسى الصدر ترك مدرسة قبل أن يترك موقعا”، وترك قضية قبل أن يترك تنظيما”. ومن جاء بعده كان أمام امتحان الحفاظ على هذه المدرسة وعلى هذه القضية، وسط عواصف لبنان وحروبه وتحولاته.
ولذلك، حين نستعيد الإمام الصدر في هذه الأيام، لا نستعيد رجلا” من الماضي، بل نسأل حاضرنا: ماذا بقي من لبنان الذي أراده؟ ماذا بقي من دولة العدالة؟ ماذا بقي من ثقافة الحوار؟ وماذا بقي من الإنسان الذي كان الإمام يضعه في قلب الدين والوطن والسياسة؟
أما الرئيس نبيه بري، الذي رافق الإمام الصدر في مرحلة تأسيس المشروع، فقد بقي يحمل هذه الأمانة ويؤكد، في أكثر من مناسبة، أن حركة أمل تستمد نهجها من الخط الذي رسمه الإمام الصدر.
في ذكرى 31 آب، لا نريد أن نكتفي بالسؤال: أين الإمام موسى الصدر؟
بل نسأل أيضا”: أين مشروع موسى الصدر فينا؟
فالإمام الذي غيب منذ عقود ما زال حاضرا” كلما انتصرنا للإنسان، وكلما رفضنا الحرمان، وكلما تمسكنا بوحدة لبنان، وكلما جعلنا من الجنوب قضية وطن لا قضية طائفة.
رحم الله من رحلوا، وحفظ من حملوا الأمانة، وبقيت قضية الإمام موسى الصدر ورفيقيه قضية وطنية وإنسانية لا تسقط بالتقادم.
31 آب، ذكرى تغييب إمام، وذكرى حضور مشروع.
