من غزة إلى لبنان: اغتيال السيد والحرب الكبرى المبكرة (1) / د. محمد حسن خليفة
قد تكون الضربة القاصمة والقاسية، هشمت كل شيء، وفعلت فعلها في عمق الوجدان المقاوم، وتركت جروحاً من الصعب أن تضمد، وأرخت بظلالها على كل هضاب الجنوب وقلاع بعلبك وصروح الضاحية، بل امتدت للوطن، لتطال خارطته ومستقبله.
استشهد سيد المقاومة، واللاعب البارز في الساحة السياسية الداخلية، والفاعل في التوازنات الإقليمية، متجاوزاً حدوده الحزبية، وحتى مقاومته الوطنية، مستخدماً كل عوامل الفاعلية، ليرسخ حضوره الذي أضحى من مفردات العلاقات على صعيد الإقليم، بحيث أن قيادة الساحات المقاومة آلت إليه بدون أي آليات الانتخاب أو الاختيار.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أكثر من ثلاثة عقود، كان السيد حسن نصر الله الأول بين الحاضرين، ولم تمر مناسبة إلا وهو في قلبها، أو كان عقلها، والمحدّد لعواملها وتفصيلاتها، حتى تظن بأنه الحاكم لخطوط التواصل بين كل فصيل مقاوم أو حركة مقاومة أو أي حزب سياسي يرتبط عضوياً بقضايا الأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين، فأضحى السيد بوصلة المقاومين، ومضى معهم في مقارعة الشر المطلق، على خطى إمام المقاومة ومؤسسها الإمام السيد موسى الصدر.
شكل السيد حلقة الوصل بين المراحل التاريخية للمقاومة، وما إن تسلم زمام قيادة حزب الله، بعد اغتيال الأمين العام السيد عباس الموسوي عام 1992، حتى خاض جبهة القتال ضد أشرس عدو في التاريخ، المتسلح بترسانة عسكرية، شكلت الولايات المتحدة الأميركية المساهم الأساسي بل الأوحد في تطويرها وتحديثها، وزوده بكل أنواع السلاح المصنّع أميركياً، مع منظومة متطورة ساهمت في تربع جيش الاحتلال على عرش التفوق النوعي والعسكري لجيوش المنطقة، ومن بين أقوياء جيوش العالم، مستنداً إلى أجهزة استخباراتية متنوعة، شكلت عاملاً حاسماً لتفوق الجيش، ضمن شبكة تقنية وتكنولوجية تجعل العالم أمام ناظريه، وكل المعلومات الاستخبارية بين يديه، مشغلاً جيشاً من الجواسيس في أربع جهات الأرض، رسخت قوته جواً وبراً وبحراً، بالإضافة إلى الرؤوس النووية، التي تجعل إسرائيل قوة نووية تشكل رادعاً لحماية الكيان، وتهديداً دائماً في الحروب المصيرية والكبرى.
بالرغم من كل القوة الخارقة لجيش الاحتلال، تمكن السيد حسن نصر الله من الصمود في عملية تصفية الحساب (حسب تسمية العدو) في تموز عام 1993 (حرب الأيام السبعة) وفشل العدو في إيقاف صورايخ المقاومة، وتكرر الصمود في عملية عناقيد الغضب (حسب تسمية العدو) في نيسان 1996 (لمدة 16 يوماً)، تلك الحرب التي توجها العدو بوحشيته في مجزرة قانا (18 نيسان) في مقر الأمم المتحدة، دون تمكن العدو من ضرب القوة العسكرية والصاروخية للمقاومة، وصولاً إلى قيادة المقاومة إلى التحرير عام 2000، مشكلاً لحظة تاريخية أحرجت الجيوش العربية، وحاجزاً مانعاً للتطبيع مع الكيان الغاصب، ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت المقاومة إلى عدو لكل المتعطشين للتطبيع، قبل الحل العادل للقضية الفلسطينية، وتم البد بإعداد الخطط الاستراتيجية لإجهاض الإنجاز التاريخي للمقاومة، التي نجحت في تعميق الوجدان لإحياء الأمل بتحرير فلسطين المحتلة، وإفشال العدو من تغليفها بمئات المستوطنات بهدف تهويدها.
أولى محطات ضرب المقاومة بعد تحرير العام 2000، تمثل في استهدافها داخلياً بدعم خارجي فاضح، عقب استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لتغيير التوازنات الداخلية، وإضعاف المقاومة عبر تسعير الفتنة الطائفية، وخوض عملية شرسة لقلب الطاولة عليها، خصوصاً بعد خروج الجيش السوري في 26 نيسان 2005، واتهامها بعملية الاغتيال، وتشكيل محكمة دولية خاصة، لا تهدف إلى كشف الحقيقة، بل غايتها سوق المقاومة إلى منصة الإعدام، بدون أية أدلة موضوعية وحقيقية، فضاعت الحقيقة، وبعد حوالي تسع سنوات وفي كانون الثاني عام 2024 تم إنهاء عمل المحكمة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، بدون نتائج ملموسة بل اتهامات سياسية مفبركة معروفة الأهداف والخلفيات (الحكم بالسجن المؤبد على ثلاثة أشخاص يرتبطون بحزب الله)، مع العلم أن قضاة المحاكمة قالوا بأنه لا يوجد دليل على تورط قيادة حزب الله أو سوريا في عملية الاغتيال.
ثاني محطات ضرب المقاومة بعد تحرير العام 2000، تمثل في حرب لبنان الثانية (حسب تسمية العدو) في 13 تموز عام 2006 (استمرت 33 يوماً) على أُثر أسر جنديين إٍسرائيليين في عملية الوعد الصادق في 12 تموز 2006، ونتيجة الصمود والالتفاف الوطني الرسمي والشعبي، لم يتمكن العدو من الإجهاز على المقاومة، وهو الهدف الذي سعى إليه بدعم أميركي واضح، وصمت رسمي عربي كان يمني النفس في كسر المقاومة، مع أن العديد من الدول العربية (خصوصاً قطر) ساهمت في إعادة إعمار ما دمرته الآلة الوحشية الإسرائيلية.
ثالث المحطات في إجهاض إنجاز التحرير التاريخي للمقاومة عام 2000، كانت داخلية تمثلت في أحداث أيار 2008، على أثر صدور قرارين من الحكومة اللبنانية بتاريخ 5 أيار 2008 بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بالمقاومة، وإقالة رئيس جهاز أمن المطار (المقرب من حزب الله حسب الإدعاءات)، واعتبار تلك الشبكة غير شرعية وغير قانونية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام (في بلد الفساد المالي والسياسي والقضائي واستباحة المال العام والخاص الذي أدى فيما بعد إلى أسوأ أزمة اقتصادية عام 2019)، وتعاملت المقاومة مع هذين القرارين باعتبارهما استهدافاً داخلياً مشبوهاً للمقاومة (تقرير وزير الاتصالات مروان حمادة الذي تطرق إلى تدمير العدو لشبكة الاتصالات في حرب 2006، وقيام حزب الله باستبدالها بتمديدات لشبكة جديدة تحت الأرض)، خصوصاً وأن شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب وردت في البرقيات الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت (آب 2007)، وأن هذين القرارين يصبان في مصلحة العدو الإسرائيلي بأي طريقة من الطرق، وأن السلطة بمعظمها هي التي فرطت في سيادة الدولة واستباحة المال العام نتيجة الفساد الذي أصبح منظومة تدير البلد، بالإضافة إلى الانتهاك الدائم لتلك السيادة من قبل العدو الإسرائيلي، وأن من حق المقاومة منع استهدافها عبر الشبكة التي تخدمها في حربها الدائمة مع العدو، وهو ما حصل في أحداث 7 أيار، وإلغاء قراري الحكومة المتعلقين بشبكة اتصالات حزب الله وإقالة رئيس جهاز أمن المطار(15 أيار 2008)، وفرض تسوية في الدوحة (21 أيار 2008)، منعت من ضرب المقاومة وإنجازاتها.
رابع محطات ضرب المقاومة، تمثل في الحرب السورية (منذ العام 2011)، نتيجة ما سمي بالربيع العربي، الذي تحول إلى خريف إرهابي يطال العديد من الدول العربية، بحيث تحولت المطالب المحقة للشعب السوري، إلى فرصة دولية (بقيادة واشنطن) تهدف إلى تدمير الجيش السوري وإسقاط النظام، الذي شكل داعماً وحاضناً للمقاومة، وتسهيل الإمدادات العسكرية واللوجستية لها، ومساهمتها في إنجاز التحرير عام 2000، وكان لا بد من ضرب خطوط الإمداد، التي تعتبر سوريا الخط الوحيد القادر على المحافظة على قدرات المقاومة وتطويرها وتحديث بنيتها العسكرية والصاروخية، لذلك اعتبرت المقاومة أن هذا الاستهداف يطالها، وهو هدف استراتيجي إسرائيلي وأميركي، لمنع تفعيل قدراتها التي تهدد الكيان في أي حرب قادمة، ما يعتبر فرصة للإنقضاض على نظام الرئيس بشار الأسد، تحت غطاء المطالب الشعبية، التي هي محقة بدون أدنى شك، لكنها تعتبر ثانوية ومهمشة في خطط اجتثاث المقاومة ومنعها من الصمود أو الانتصار، فبادرت المقاومة إلى الانخراط في الصراع في سوريا (عام 2012)، وقدمت الشهداء، باعتبارها معنية في الدفاع عن سوريا، لأن سقوط النظام، ونجاح الإرهاب في استلام السلطة أو السيطرة عليها، بعد نجاح وصول المعارضة للسلطة تحت مظلة تحقيق مصالح الشعب السوري، وتخليصه من النظام القمعي، وهي أهداف تغطي الغايات الأساسية لإسقاط سوريا كداعم للمقاومة، تحت غطاء الديمقراطية والتنمية وإصلاح النظام، وما أثبت ذلك، دخول العناصر الإرهابية من خارج سوريا لتدميرها، وتفكيك القرار المركزي لسوريا، واستلام زمام السلطة لخدمة مشاريع دولية تغير توازنات الشرق الأوسط، وتؤسس لمرحلة جديدة لا مكان فيها لدعم حركات المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، أو الوقوف بوجة السياسات الأميركية في المنطقة، ما يثبت صوابية قرار المقاومة في الدفاع عن سوريا، لأن ذلك يشكل دفاعاً عنها في صراعها مع العدو، وتمكنت المقاومة من تحقيق إنجازات كبيرة، منعت من سقوط النظام، في حرب لا زالت مستمرة في أشكال متعددة، جعلت من سوريا مكاناً للتواجد الخارجي، وفي طليعته التواجد الأميركي في مناطق عديدة في سوريا، كل ذلك وجبهة المواجهة مع العدو في الجنوب تؤدي مهامها في ردعه عن الاعتداء على الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى أن المقاومة خاضت حربها في سوريا للدفاع عن لبنان منذ العام 2012، ومنع الإرهاب من السيطرة على مناطق حدودية، بحال سقوط النظام وتمدد الخلايا الإرهابية إلى لبنان، لدعم تلك الموجودة بداخله، والتي قامت بالعديد من التفجيرات الإرهابية في أكثر من منطقة، كما أن المقاومة ساندت الجيش اللبناني في معركة فجر الجرود (19 آب 2017)، وتحريره من الجماعات الإرهابية، بعد قيام المجموعات الإرهابية من خطف وأسر العديد من جنوده (2 آب 2014) وقتل بعضهم، ما ساهم في إفشال مخطط الجماعات الإرهابية في لبنان.
غداً: مقالة حول خامس محطات ضرب إنجاز التحرير التاريخي عام 2000
