من غزة إلى لبنان: اغتيال السيد والحرب الكبرى المبكرة (2)/ د. محمد حسن خليفة
في الحلقة الأولى من المقالة السابقة، تم استعراض أربع محطات لضرب الإنجاز التاريخي للمقاومة، بعد نجاحها في تحرير معظم الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، بعد مقاومة استمرت من العام 1982 إلى العام 2000.
خامس المحطات لضرب المقاومة بعد إنجاز التحرير، تمثل في الحرب على غزة (بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023)، ومبادرة المقاومة في اليوم التالي إلى فتح جبهة لإسناد غزة، لأن الحساب لم ينتهي مع المقاومة، لتدفيعها ثمن إنجازاتها ضد العدو الإسرائيلي، في ظل عجز الجيوش العربية في مواجهته، وترويض الأنظمة السياسية لمنع تعبئة شعوبها وجيوشها لخوض الصراع، وتحرير الأراضي العربية المحتلة، ودعم الشعب الفلسطيني في تحقيق الدولة الفلسطينية القادرة، أو إنجاز حل عادل وشامل للصراع العربي الإسرائيلي، ووقف سياسات الخضوع التي لم تمنع العدو من المزيد من العدوان، وبناء آلاف الوحدات السكنية في مئات المستوطنات، وتنامي السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية، وحصار قطاع غزة، وتواصل الحروب ضد الفسلطينيين (خصوصاً القطاع لما يشكله من ثقل لحركات المقاومة)، بالتوازي مع إخطاع العديد من الدول العربية، وجرها إلى توقيع اتفاقات التطبيع (2020)، قبل إنجاز الحل العادل للقضية الفلطسينية، واستمرار المحاولات لزيادة مساحات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل (خصوصاً السعودية).
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تلك المحطة، بدأت بعد عمليات المقاومة دعماً وإسناداً لغزة، وبعد أكثرمن 11 شهراً من الحرب على غزة، تصاعدت حدتها على الجبهة اللبنانية، بعد نقل القوات إلى تلك الجبهة، وتحويلها إلى حرب مفتوحة، بهدف فصل تلك الجبهة عن غزة، ومحاولة إخضاع المقاومة للقبول بهذا المطلب الاستراتيجي للعدو، وتفكيك وحدة الساحات عملياً وفكرياً، رغم عدم نجاح محور المقاومة بشكل كبير في تفعيل حقيقي لوحدة تلك الساحات، التي تراوحت بين أطراف تقوم بالمساندة والدعم والتمويل وطرف وحيد فاعل في خوض المقاومة بشكل مباشر، وهي الجبهة اللبنانية، مع الأخذ بعين الاعتبار لبعض العمليات العسكرية المؤثرة التي تقوم بها حركة أنصار الله في اليمن، التي استهدفت سفناً في البحر الأحمر ومناطق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك حركة المقاومة الإسلامية في العراق.
لقد مرت حرب الإسناد في غزة بمراحل عديدة، من اغتيال قيادات المقاومة، واستهدافها في المناطق الحدودية بداية، ثم توسيع المساحة الجغرافية للاستهداف، وصولاً إلى القيام بعمليات الاغتيال في أي بقعة جغرافية في لبنان، وهذا ما شكل انعطافاً خطيراً من قبل العدو، بحيث أن تلك الاستهدافات لم تعد تهتم بالتعرض للمدنيين القريبين من الأماكن المستهدفة، كما أنه تجاوز أول الخطوط الحمر، باستهداف صالح العاروري في الضاحية معقل المقاومة، وتجرأ العدو في زيادة رقعة استهدافاته، وضرب قواعد الاشتباك التي تم الحفاظ عليها لفترة طويلة من الحرب، إلى أن تم نسفها بالكامل في يوم استهداف القيادي فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية أيضاً، واغتيال اسماعيل هنية في طهران، ليتوج العدو تصعيده، في التفجيرات المتزامنة لأجهزة اتصال المقاومة (البيجر) والأجهزة اللاسلكية، واغتيال كبار القادة في الضاحية، في فترات زمنية متقاربة، وبعمليات دقيقة تظهر اختراقاته التكنولوجية وقوته الاستخباراتية، والدعم الاستخباري والعسكري من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية، بالإضافة إلى المعلومات التي يقدمها العنصر البشري في الداخل، ما وضع المقاومة في موقف محرج، نتيجة الإرباك الواسع في العمليات المتتالية للعدو، ما منعها من التقاط أنفاسها، أو القيام بعمليات رد موجع ومؤلم للعدو، بالإضافة إلى لجم الرد الإيراني على انتهاك سيادتها في اغتيال هنية، وهذا اللجم للرد لم تُعرف أسبابه بداية، بالرغم من بلوغ الحرب مستويات غير مسبوقة في التصعيد، مع أن البعض حاول التخفيف من ذلك، عبر تبرير سياسة التأخير الإيرانية في الرد، لأسباب تتعلق بعدم الانجرار إلى الحرب الشاملة، والضغط الأميركي على إيران وتهديدها، بأن استهداف إسرائيل سيوفر فرصة لإسرائيل في الدخول بحرب شاملة، ستكون الولايات المتحدة الأميركية (بجناحيها الديمقراطي والجمهوري) إلى جانب إسرائيل، ضمن سياسة الدعم المطلق لها، لأسباب استراتيجية وتاريخية، وأنها سمحت في مرحلة سابقة في تجاوز الرد الإيراني (13 نيسان 2024)، على إسرائيل، بعد استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق (1 نيسان) واستهداف قيادي كبير في فيلق القدس، لكن إيران فاجأت كل التوقعات الإسرائيلية والأميركية، وخرجت من دائرة الضغوطات بأنها ملتزمة بالانضباط بعدم الرد، وقامت بعملية نوعية بتاريخ 1 تشرين الأول 2024، رداً على اغتيال اسماعيل هنية والسيد حسن نصر الله، عبر إطلاق حوالي 250 صاروخاً بالستياً، إلى العديد من المدن والمناطق في الأراضي الفلسطينية، وقد ترافق ذلك مع عملية إطلاق نار في يافا، قام بها فدائيين فلسطينين، ووقوع العديد من القتلى نتيجة العملية، ما وضع حداً للعدو لمسار الانتصارات التي أنجزها، ووضعه في موقف دفاعي، خصوصاً بعد التهديد الإيراني الذي أعقب إطلاق الصواريخ، بأن أي رد إسرائيلي سيواجه برد أكثر تدميراً، بالرغم من كل التوقعات بأن إسرائيل ستقوم باستهداف إيران، رداً على إطلاق الصواريخ بطريقة غير مسبوقة باتجاه أراضيها.
كل ذلك أتى في ظل تصعيد العدو لهجماته واستهدافاته، والبدء بحرب مفتوحة (منذ 23 أيلول 2024)، وتكثيف الغارات على بنك أهداف واسع، بحيث سقط في أقل من عشرة أيام أكثر من 1700 شهيد وحوالي 10000 جريح، وتدمير آلاف المباني السكنية، وحصول موجة نزوح كبيرة، بلغت حوالي مليون نازح من مختلف المناطق، للضغط على المقاومة عبر بيئتها الداعمة لها، بهدف فرض شروط العدو التي تعني تجريد المقاومة من قوتها، وتراجع تأثيرها داخلياً وخارجياً، لرسم توازنات جديدة، بما يناسب السياستين الأميركية والإسرائيلية، بما يسهل السيطرة على مقدرات الدول وثرواتها، والقيام بمشاريع اقتصادية يساهم في انخراط إسرائيل في المنطقة، وتحقيق حلم الشرق الأوسط الجديد، وتقويض الإنجاز التاريخي للمقاومة في التحرير عام 2000.
نقطة التحول في خامس المحطات لضرب المقاومة، تمثل في اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في 27 أيلول 2024، في ضربة شكلت تحولاً خطيراً في الحرب المفتوحة على لبنان منذ 23 أيلول، عبر استهدافه في الضاحية الجنوبية مع قادة آخرين، ما شكل صدمة داخلية وخارجية، وحصل ذلك الاستهداف أثناء تواجد رئيس الوزراء الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وبعد إلقاء خطاب هاجم فيه الأمم المتحدة، وشدد على استمرار القتال في غزة ولبنان حتى “النصر الكامل”، وهو خطاب ينسف كل محاولات التفاوض لوقف إطلاق النار، ويؤكد الخداع الذي مارسه مع الولايات المتحدة الأميركية في مراحل سابقة في غزة، كلما فتح باب المفاوضات، وموافقة الأطراف على بنود التفاوض، ليقوم بعدها بالتنصل منها لاعتبارات داخلية متشددة، ولكسب المزيد من الوقت لتحقيق إنجازات عسكرية على أرض الواقع، تساهم في تغيير وجه المنطقة، في لحظة تاريخية تعيد الاستقرار للكيان، وتؤمن عودة آمنة لمستوطني الشمال، وإزالة التهديد الدائم للمقاومة، عبر ضربها حتى النهاية، ما يؤكد خوض إسرائيل لحرب مصيرية، ظن البعض بأنها مؤجلة، وأن حرب غزة هي حلقة من حلقاتها، ليتبين أنها الحلقة الأولى في تلك الحرب، التي يبدو بأن العدو لن يقبل بوقفها، طالما يعتبر أن المقاومة في لحظة ضعف غير مسبوق، بعد الاغتيال المزلزل للسيد حسن نصر الله، والتجرأ على القيام بعملية توغل بري، تم التحضير له والإعلان عن العملية البرية في 30 أيلول، باستخدام عدة أولوية مع دعم جوي وبحري، والتصريح بأن تلك العملية محدودة، وهي خديعة جديدة للعدو، بحيث أن مسافة التوغل مرهونة بقدرات المقاومة على وقف الغزو البري، لأن العدو لن يتوقف عند أي مسافة بحال تمكن من تجاوز دفاعات المقاومة، وهي مهمة مستحيلة في ظل الإمكانيات التي تملكها المقاومة، وأن التجربة مع المقاومة أثناء الاحتلال الذي استمر 18 عاماً، من العام 1982 حتى التحرير عام 2000، وكذلك حرب عام 2006، هي تجربة كبدت العدو خسائر كبيرة، أجبرته على التراجع، وأظهرت فشله في تحقيق أهدافه، ما مكّن المقاومة من الصمود والانتصار، لذلك يحاول العدو الإيحاء بأن عمليته محدودة لضرب البنية التحتية للمقاومة، وإبعادها إلى شمال الليطاني، وهو هدف استراتيجي للعدو، يسعى إليه منذ فترة طويلة، لتأمين الهدوء لسكان الشمال، وإبعاد شبح قوة الرضوان، التي تؤرق الشمال والخوف من قيام تلك القوة بالعبور إلى داخل الأراضي الفلسطينية، وخوض الحرب الكبرى الموعودة.
المقالة القادمة: أهداف التوغل البري الاستراتيجية واختبار دفاعات المقاومة (3)
