حطام الضاحية، يرمّم الرّوح../ نادين خزعل
حتى نهار الجمعة الفائت، كنت لا أزال في منزلي في الضاحية الجنوبية رغم مناشدات الأصدقاء والأقرباء بوجوب مغادرتي..كان شيئًا في داخلي يرفض الانصياع ولم أكن أشعر بالخوف أبدًا….
حتى نهار الجمعة الفائت، كان كل شيء ما زال كما هو في تفاصيلي، أنهيت عملي، رجعت إلى منزلي، توضيب وترتيب…
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
السادسة والنصف، زلزلت الأرض، وارتج المنزل، ودوى العصف، كانت المواجهة الأولى مع الخوف والقلق وانهمرت الاتصالات تطلب مني المغادرة ورفضت…أكملت وأنا لا مبالية، ثم اكتشفت أنني أدعي اللامبالاة….
وجاء الليل، ورسائل التهديد التي تنذر بإخلاء الضاحية، أصبح الأمر جديًّا، فهذا العدو همجي وحشي لا يردعه شيء عن شيء، وغادرت، مجبرة، انتكست، وربما انكسرت، إلى العاصمة بيروت…..
ثلاث ساعات ونصف امتدت المسافة بين الضاحية الجنوبية وبيروت….
بيروت جميل الاتجاه إليها في نهار عمل مشرق بالأمل….بيروت وزارة التربية والصحة والإعلام..بيروت المؤسسات العامة، بيروت عين المريسة، بيروت الكعك الطازج في راس النبع، بيروت الأناقة في الداون تاون، بيروت ست الدنيا…
ولكن…..
ليس جميلًا التوجه إلى بيروت ليلًا، بسبب عدو مغتصب همجي وحشي أنذر بإخلاء الضاحية وحدد بوقاحة نقاط الاستهداف….
بيروت، مدينتي الأحب، مرت ستة أيام على نزوحي إليها…ما أصعب وقع الكلمة: نازحة أنا من ضاحيتي إلى عاصمتي….
نازحة أم لاجئة؟ هنا في رحاب الوطن هل من فرق؟ الغربة غربة والوحدة وحدة والوحشة وحشة….
تذكّرت كم كنت في عملي الصحفي أقف عند التفاصيل، وأرشد وأصحح وأشرح الفرق بين مصطلح نازح ولاجئ…بعد انتهاء الحرب لن أدقق…
وجاء اتصال من صديقة الطفولة رانيا عيتاني في لحظة فاصلة بين الهروب والغروب، ورانيا هي طفولتي ومراهقتي وكل جميل قديم، جاء اتصالها ليفتح باب الذكريات على مصراعيه، نصفي بيروتي أنا، أمي من بيروت، ولادتي في بيروت، ومدرستي في بيروت، وطفولتي في بيروت، وذكرياتي في بيروت، حتى نفوسي من بيروت..
رحم الله أبي: في الحرب لا يوجد مكان آمن، في الحرب لا تهربوا، فالقذيفة لا أحد يدري أين تسقط….. هل كان أبي ليبقى في منزلنا في حارة حريك لو كان ما يزال على قيد الحياة؟
هل كان لينزح أو يلجأ؟ أو ربما يقرر العودة إلى عيتا قريتنا؟
الطّريق إلى عيتا رواية أبي الأخيرة..
هل كان ليغيّر عنوانها؟ الطريق إلى بيروت أم الطريق إلى لبنان أم الطريق إلى اللاطريق؟
اللاطريق…
هو الشعور الذي انتابني حين رحت أعيد استكشاف بيروت وأنا فيها نازحة وإليها لاجئة…ما الفرق بين في وإلى؟
لا وقت للفلسفة..الهم الأكبر الآن هو العثور على محل يبيع
“سطل لبن زنة خمسة كيلو، وبالجملة” لأنه يكون أرخص ثمنًا..
سطل لبن أريده هدية قيمة لإبني وأنا احاول قدر المستطاع أن ألبي ما يطلبه، وأحافظ له على ما اعتاد عليه: معكرونة بلبن، أكلته المفضلة….ربما في الغد لن يبقى لبن، ولا معكرونة، وربما لن أبقى أنا، وربما لن يبقى إبني…من يدري؟
بيروت وشوارع بيروت…هنا مدرستي، وأرصفة أحفظها، وشوارع أتقن التنقل فيها، فلماذا اليوم أتنقل بضياع؟
واكتشفت الجواب سريعًا: لأنني من داخل داخلي ضائعة وضياعي أكبر من عاصمة ومن بيروت ولأنني تائهة أكبر من وطن…..
بعد عناء، لم أجد إلا سطل لبن صغير وغالي الثمن، اشتريته ووضعت في رأسي سيناريو حواري مع ابني، سأشرح له أن كثرة المعكرونة في الحرب تضر، وأن عليه التخلي عن طعامه المفضل، وسأخبره عن أترابه في غزة الجائعين، وفي لبنان المهجرين، ورغم صغر سنه، سأجعله يدرك أن الطعام المفضل ترف، كيف لا؟ حتى عينان ويدان باتوا ترفًا…..
بالأمس، أبلغت من العلاقات الإعلامية بجولة سيتم تنظيمها الإعلاميين في الضاحية الجنوبية…
سبقني قلبي قبل قدمي إلى الضاحية، إلى شوارعها إلى أحيائها، إلى هوائها…..واكتشفت أكثر أن هواءها المشبع بثاني أوكسيد الكربون أكثر من الاوكسجين مشبع بالكثير من الكرامة….
كنت بالأمس أتعرف إلى الضاحية من جديد، بانتماء أشد، بإصرار أكبر، من بين الحطام والركام، وجدتني أترمم، وجدت كسر خاطري يستحيل إرادة وإصرارًا، وجدت حزني يستحيل غضبًا….
نظرت إلى السماء، حيث طائرة الـMK، تحلق مستبيحة أجواءنا، ووجدت خوفي يستحيل تحديًّا…
الحقير أدرعي نجح في رسالته التي هدد بها الضاحية الجنوبية وحيث أقطن، ونجح في إرغامي على الإخلاء والابتعاد…
ولكن……..
لم ولن ينجح في تهديد قوتي…
إن نجح في إخلاء منزلي فلن ينجح في إخلاء روحي من العزيمة ولا في جعلي أشعر بالهزيمة….
من أخبره أن الضاحية مربعات يحددها في خارطة تهديده؟
الضاحية نبض وأرض وانتماء ورسوخ…
أحرق العدو أغصانًا ولكنه لن يقتلع جذورًا….. والضاحية في الروح وتدٌ متينٌ……
بالأمس، كانت الضاحية الجنوبية، رغم النار عروسًا جميلة جدًّا…أحرقوا وجهها ومزقوا فستان زفافها وشوهوا طرحتها وأبدلوا عطرها بالبارود والفوسفور وبدل اناشيد الفرح دوت الغارات، واغتالوا عريسها، وقتلوا أبيها وأمها وأخيها وأختها وكل عائلتها، ولكنها بقيت واقفة على ما بقي من قدميها، تنظر بما تبقى من عينيها، تمد لي ما بقي من كفيها، تقول لي: أنا أنتظرك، وأنتظركم، ستعودون، وستعيدونني أجمل، والعرس سيكون إحتفالًا بالانتصار….وكل هذا الدمار، سيكون فتيل اعصار، سيهب، بوجه قتلة الأنبياء، بوجه المعتدين الهمجيين الوحشيين السافلين البطاشين الحثالة الغدرة القتلة،وسأعود أجمل مما كنت…..
إنها الضاحية، وردة الذبول في أيلول، ستزهر وردة الياسمين في تشرين…..
