من غزة إلى لبنان: اغتيال السيد والحرب الكبرى المبكرة
كتب د. محمد حسن خليفة
في الحلقة الثانية من المقالة السابقة، تم استعراض خامس المحطات لضرب الإنجاز التاريخي للمقاومة، بعد نجاحها في تحرير معظم الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وتم التطرق إلى قيام العدو بالتوغل البري على طول الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، وإعلانه بأنها عملية محدودة تهدف إلى تدمير البنية التحتية للمقاومة، وإبعاد قوة الرضوان عن تلك الحدود، لما تشكله من تهديد خطير على سكان شمال إسرائيل، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود.
لقد وضعت إسرائيل تاريخياً هدفاً استراتجياً لاحتلال المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، لتأمين الاستقرار لسكان الشمال، وخصوصاً المستوطنات في الجليل، وكانت في كل عملية تقوم بها تضع نصب أعينها احتلال تلك المنطقة، حتى أن وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون في 6 حزيران عام 1982 قام بعملية عسكرية أطلق عليها “سلامة الجليل”، ووضعت هدفاً في البداية إلى إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى 40 كلم داخل الأراضي اللبنانية، لمنع هجمات منظمة التحرير الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن شارون تجاوز هذا الهدف لتوسيع المنطقة العازلة،وتابع التقدم في العملية حتى وصل الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة بيروت، وسبق تلك العملية وضمن الأهداف الاستراتيجية للعدو الإسرائيلي اجتياحاً محدوداً في آذار عام 1978، تحت إسم “عملية الليطاني”، بهدف وقف العمليات العسكرية الفلسطينية، لكن هذا التدخل لم يحقق أهدافه في منع منع هجمات منظمة التحرير الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية في الشمال.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد شكل احتلال الأراضي اللبنانية، وتحديداً المنطقة الواقعة في جنوب الليطاني، الهدف الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي، لما تشكله تلك المنطقة من عمق حيوي على كافة الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، فمن الناحية الأمنية تعتبر حاجزاً هاماً، لإبعاد الخطر قدر الإمكان عن منطقة الشمال، والضغط بشكل دائم على الداخل اللبناني، لفرض السياسات الإسرائيلية، ومحاولة ترويض النظام السياسي اللبناني بما يفيد تلك السياسات، وهذا يتضح في قيام العدو بعد كل اجتياح للأراضي اللبنانية، بالسعي لإيصال شخصيات إلى مواقع رفيعة في السلطة، وما يؤكد ذلك، وصول بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية عام 1982، والتمهيد لتوقيع اتفاقية سلام مع لبنان، كما حصل في توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 في عهد الرئيس أمين الجميل بعد اغتيال شقيقه بشير في 14 أيلول 1982 وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في 16 أيلول 1982، وتكوين بيئةسياسية واجتماعية تتصدى لكل نشاط عسكري يهدد الأمن الإسرائيلي، والتأسيس لاحتلال طويل بشكل مباشر وغير مباشر، ودعم بعض الأحزاب البنانية لمواجهة أي تشكيلات للمقاومة، والعمل على السيطرة على السياسات الداخلية، لتأمين الاستغلال الأمثلللثروات المائية والطبيعية، وبالتأكيد الثروات النفطية والغازية، وتطبيق السياسة التوسعية عبر زيادة أعداد المستوطنات، وكل ذلك يؤكد الأهداف الاستراتيجية من كل عملية اجتياح بري للأراضي اللبنانية.
بالعودة إلى التصعيد الإسرائيلي في لبنان، بعد أكثر من 11 شهراً من العمليات المتبادلة بين المقاومة والعدو(التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023)، والالتزام إلى حد ما بقواعد الاشتباك التي نتجت عن قرار مجلس الأمن رقم 1701، وكسر تلك القواعد تدريجياً من قبل إسرائيل، بداية من التفجير المتزامن لأجهزة الاتصال (البيجر) وبعدها تفجيرات الأجهزة اللاسلكية (17 و18 أيلول)، التي شكلت صدمة كبيرة طالت آلاف العناصر الأمنية والمدنية للمقاومة، ووضعتها في حالة إرباك غير مسبوقة، تركت دلالات خطيرة على الاختراق الأمني لشبكة اتصالات المقاومة، التي طالما كانتعاملاً رئيسياً في عملها، لما تؤمنه من تواصل فاعل بين تشكيلات المقاومة، وهذا ما استدعى القيام بإجراءات سريعة، تخفف من وطأة تلك التفجيرات، وخرج السيد حسن نصر الله (19 أيلول) لطمأنة بيئة المقاومة، بأن تلك التفجيرات لن تؤثر على عملها، وأنها استوعبت الصدمة، وقامت بما يلزم لتفعيل شبكات الاتصالات البديلة، وأعلن بأن الرد قادم على تلك العملية الإجرامية التي أوقعت إصابات في صفوف المدنيين، الذين اعتبروا أن التفجيرات المتزامنة سيكون لها تداعيات على المقاومة، وتأثيرات مباشرة على مواجهتها للعدو الإسرائيلي، في معركة إسناد غزة، وعدم التخلي عن الترابط بين جبهتي لبنان وغزة، وإجهاض كل محاولات إسرائيل في تفكيك جبهات المقاومة، خصوصاً إذا ما أضيفت إلى جبهة الإسناد اللبنانية جبهتي اليمن والعراق (ولو بتأُثير أقل)، بالإضافة إلى إيران التي تشكل قائداً لمحور المقاومة.
بعد عملية التفجيرات المتزامنة، تابع العدو كسر قواعد الاشتباك وتهشيمها، وقبل الرد من قبل المقاومة على عمليات تلك التفجيرات لأجهزة الاتصالات، قام بعد يومين من التفجير الثاني (20 أيلول) بعملية اغتيال لعدد كبير من قادة المقاومة، في مقدمتهم القيادي ابراهيم عقيل، وهذا الاغتيال حصل في قلب الضاحية الجنوبية، وهو الاستهداف الثالث للضاحية (بعد اغتيال صالح العاروري وفؤاد شكر)، لتأكيد تغيير قواعد الاشتباك وفرض قواعد جديدة من قبل العدو، ومتابعة الضغط على المقاومة لفك الارتباط مع غزة، وإدخال المدنيين كعامل إضافي للضغط، وعدم مراعاة وجودهم في مناطق استهدافاتها.
بعد الضربات المتكررة في عمق الضاحية الجنوبية، التي راكمت من هواجس الاختراقات الأمنية للمقاومة، كان لا بد من الرد على خرق قواعد الاشتباك، واستهداف مناطق في عمق الكيان الإسرائيلي، لردع العدو ومواصلة استنزافه في جبهة الإسناد، دون الانزلاق إلى حرب واسعة أو شاملة، وتجنب استهداف المدنيين في أي رد.
لم تنفع كل محاولات المقاومة لإجبار العدو على العودة لقواعد الاشتباك، التي حكمت جبهة الجنوب لفترة طويلة بعد معركة طوفان الأقصى، فقام منذ تاريخ 23 أيلول 2024 بتوسيع استهدافاته لجميع المناطق والقرى في الجنوب والبقاع والضاحية (وبعد المناطق الأخرى ونقطة المصنع على الحدود اللبنانية السورية)،في عملية مكثفة أوقعت مئات الشهداء وآلاف الجرحى وتدمير قرى بأكملها، بحيث أن تلك العملية طالت مناطق واسعة، بهدف القيام بتغيير كلي لقواعد الاشتباك، ونسف القرار 1701 ومندرجاته بشكل كامل، ووضع شروط مختلفة في أي قرار يصدر عن مجلس الأمن، بدعم أميركي مطلق، أتت في لحظة حرجة تسبق الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقد تسببت الغارات المتواصلة، بعملية نزوح كبيرة من معظم مدن وقرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وقبل أن تلتقط المقاومة أنفاسها بعد التفجيرات المتزامنة والاغتيالات المتواصلة لقادة المقاومة، قام العدو بعملية اغتيال السيد حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية، ما أحدث زلزالاً في جسم المقاومة، وهي عملية صادمة وقاسية سيكون لها تداعيات كبيرة في المواجهة مع العدو، الذي كسر كل القواعد والخطوط بعملية الاغتيال، ووضع لبنان في وضع خطير، لفرض شروطه في أي عملية تفاوضية، بحيث أن الضربات المتواصلة للمقاومة والتدمير الهائل للمدن والقرى، وضغط النزوح، كل ذلك قادر على إنهاك المقاومة، والانتقال إلى جبهة الجنوب الحدودية، للقيام بعملية عسكرية تبعد شبح قوة الرضوان، وتدمير البنية التحتية للمقاومة، التي عملت بعد عدوان 2006 علىتعزيز قدراتها على الحدود مع فلسطين المحتلة، وقامت بتطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية، تحضيراً لأي حرب مع العدو الإسرائيلي.
إذن، لماذا القيام بتوغل بري داخل الأراضي اللبنانية؟
بعد قيام العدو بتحقيق إنجازات كبيرة، طالت قادة المقاومة وعلى رأسهم السيد حسن نصرالله، والقيام بعملية تدميرية واسعة، كان لا بد من تتويج تلك الإنجازات بتوغل بري، يبدأ بعملية محدودة لضرب بنية المقاومة، والذهاب بعيداً في الإجهاز على المقاومة، في لحظة تبدو فيها المقاومة في موقف متراجع بعد الاختراقات الكبيرة في صفوفها، وأن الضربات المتواصلة وغياب القائد، سيكون لها تداعيات على جبهة الجنوب، خصوصاً بعد القيام بآلاف الغارات لتدمير منصات الصواريخ، ما سيسهل عملية التوغل البري، لوضع لبنان بأكمله في وضع صعب، وإرغامه على القبول بشروط العدو، وتعميق الاختلاف في الساحة اللبنانية، بالإضافة إلى إرهاق بيئة المقاومة، وكسر الثقة بقيادتها التي تشكلت على مدى عقود، والتي كان لها الدور الكبير في تحصين المقاومة وإنجازاتها.
تعتبر العملية البرية بالنسبة للعدو الإسرائيلي فرصة ذهبية، انتظرتها طويلاً لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في إبعاد المقاومة عند الحدود، وتأمين الاستقرار الدائم لسكان الشمال، الذي قطع لهم بنيامين نتياهو وعوداًبالعودة الآمنة لمنازلهم، وبالتأكيد أن هذا الهدف هو من بين الأهداف الكثيرة للتوغل البري، لأن فشل عدوان 2006، وقدرة المقاومة على الصمود وتطوير قدراتها الصاروخية التي تقلق العدو، لن يتكرر في هذه الحرب، وأن العدو في لحظة مناسبة لتحقيق أهدافه، بعد تراكم الإنجازات التي وضعته في موقف أفضل، بالإضافة إلى الأهداف العسكرية والأمنية، هناك أهداف سياسية تعتبر في غاية الأهمية، ومنها فرض التطبيع تدريجياً بعد السعي للتأثير في وصول شخصيات تشكل حاضنة خفية لمشروعاته المستقبلية، خصوصاً إذا تزامنت مع عمليات تطبيع واسعة مع أكثر من دولة عربية، وتشكيل شرق أوسط جديد، عبر تصريح علني بهذا الخصوص من قبل نتنياهو، بأن هدف العملية البرية تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهذا ما يؤكد الأبعاد الحقيقية للعملية البرية، التي ستكون اجتياحاً واسعاً للبنان، وأن العدو لن يتوقف عن متابعتها، في حال لم تواجه القوات الإسرائيليةالمعززة بسلاحي الجو والبحر أي مقاومة، كما أن من أهم أهداف العملية البرية، التخلص من عقدة طوفان الأقصى، وتمجيد شخصه كحافظ للأمن الإسرائيلي، وعدم تكرار المشهد الذي أصاب عميقاً نظرية الردع الإسرائيلي، وحفر في ذاكرة العدو تاريخاً سيظل يلاحقه على الدوام.
لقد قامت إسرائيل بإعلان العملية البرية في وقت مبكرمن حربها على لبنان، بحيث أنها أعلنت ذلك في اليوم الثامن من التصعيد في الجبهة الجنوبية، والبد بعمليات الاستطلاع بالنار في اليوم العاشر، مقارنةبحرب 2006، وقيامها بالتوغل البري في اليوم الثلاثين تقريباً من حرب تموز، وهناك من يعتبر في إسرائيل أن التأخير في القيام بعملية برية في حرب تموز 2006، هو الذي منعها من تحقيق أهدافها في القضاء على المقاومة، والإجهاز على إنجاز التحرير التاريخي عام 2000.
