سنة مظلمة من التاريخ في سطور\ د. لقمان ابو زيد
منذ سنة تقريباً دخل الشرق الأوسط في منعكس كبير ظنّ الكثيرون أن أيامه معدودة ولكن حقيقة الأمر أن الغربي بدأ بتخطيط حقيقي لهكذا مشروع منذ ٢٠١٧ بعد فشل مخطط حرب تموز ٢٠٠٦، خصوصاً انه تقاطع هدفان او مشروعان لدى الاسرائيلي والغربي بعد انطلاق أحداث ٧ تشرين المنصرم (مشروع تفكيك محور الممانعة وفصل الجبهات من جهة، ومشروع الشرق الاوسط الجديد من جهة أخرى).
وبعد سنة وباختصار وبتوصيف موضوعي لمجريات الاحداث ومستقبلها، وحيث أن “الحرب بالأهداف” فيجب أن تبقى العين على أهداف العدوّ تحت قاعدة “اعرف هدف عدوّك تعرف المسار الذي ينتهجه”، نرى ما يلي:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
خرج نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة في الأول من أيلول ٢٠٢٣ (قبل الحرب بشهر) رافعاً خريطتين موضحاً أن الشرق الأوسط لم يعد يحمل مشروعين يحكمونه والغلبة فيه للأقوى،
شارحاً أهدافه في نوعين منها:
- أهداف آنية على المستوى الاقتصادي:
.في ايلول ٢٠١٩، تم اطلاق مشروع “ايست-ميد” لاستجرار غاز المتوسط الى اوروبا، حيث وقّع على هذا المشروع كل من مصر، قبرص، اليونان و”إسرائيل”.
واجه هذا المشروع تهديدان أمنيان مباشران من قبل المقاومة اللبنانية خصوصاً المتمركزة جنوب الليطاني، وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزّة.
. في أيلول ٢٠٢٣، تم اطلاق مشروع مشروع الممر الاقتصادي الكبير (من الهند الى حيفا مروراً بالإمارات العربية والسعودية والاردن)، اطلقه “نتنياهو” من على منبر الامم المتحدة متحدثاً عن الخطرين الآنف ذكرهما معتبراً بحسب نظره أنهما يهددان ومن خلفهما (محور الممانعة) استقرار الشرق الأوسط ككل ولا ينحصر هذا الخطر بحسب زعمه على الشرق الاوسط بل على الاستقرار الاقتصادي العالمي، ودعم موقفه هذا الرئيس الأميركي “بايدن” وكذلك “ترامب” حيث أجمع الكل أن العالم يشهد مخاض لولادة نظام عالمي واقتصادي جديد،. - أهداف استراتيجية على مستوى الحكم والسيطرة:
اعتبر مؤخراً كل من رئيس حكومة العدو “نتنياهو” والرئيس الاميركي السابق “ترامب” في خطابين مثيرين للجدل ومتجاوزين كل الاعراف والقوانين الدولية، أن مساحة فلسطين المحتلة من قبل “اسرائيل” لا تشكل اكثر من ١٪ من مساحة العالم العربي ويحق لإسرائيل ان تتوسع جغرافياً في ظل المشاريع الاقتصادية الكبرى المزعم إنشاؤها، وبدأ الكلام عن إعادة إحياء لحلم دولة اسرائيل الكبرى (من النيل الى الفرات)، وقد ظهر ذلك جلياً في الخريطة التي وقف أمامها “نتنياهو” منظّرًا عن مشروع دولته الجديدة غير آبه بالأنظمة ولا بسيادة دول كل من مصر، الأردن، السعودية، لبنان، سوريا والعراق،، أمام صمت عالميّ مثير للريبة.
كثرت الفرضيات التي قاربت مجريات الحدث في فجر السبت ٧ تشرين الاول ٢٠٢٣ وتباينت تحليلات هذه الفرضيات، ولكن الذي جرى من بعده تهجير وقتل وجرح لعشرات الالاف من الاطفال والنساء والعزّل حتى تخطى العدد لل ١٥٠،٠٠٠، وبوحشية عدوّ أمام صمت عالمي رهيب يرون قتل البشر وتدمير الحجر ببثٍ مباشر،، لترى المقاومة اللبنانية أن واجبها الإنساني مساندة الشعب الفلسطيني في غزة ومشاغلة العدو الاسرائيلي من خطرٍ قادم،،
وما لبث أن هذا العدو بدأ على مدار احدى عشر شهرًا حرباً تكتيكية اتجاه لبنان هجّر فيها سكّان جنوب الليطاني شيئا فشيئا حتى دخل شهر أيلول المنصرم لتتوسع دائرة الصراع بشن العدو الاسرائيلي بوحشية قل نظيرها منفذاً على مدار اسبوعين اكثر من ٤٠٠٠ غارة في جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته الجنوبية ومهجراً أكثر من مليون ونصف لبناني، مستخدماً أسلحة دمار شامل متسلحاً بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي المبني على معلومات تزوده بها وحداته الأمنية الخاصة والمتخصصة (المعلنة وغير المعلنة) وأجهزة الاستخبارات العالمية (الاميركية والأوروبية)، وأيضاً كل هذا ببثٍ مباشرٍ وصمتٍ دوليّ مخزي..
وفي الصدد ورغم كل الألم ما زال الجنوبيون يسطرون أرقى معاني الصمود وعدم الانكسار شعباً،، وأروع ملاحم الدفاع ذوداً عن تراب عاملة مقاومةً.
وفي خضم هذه المجريات استهدف العدو الاسرائيلي في الاول من نيسان مقر السفارة الايرانية في سوريا، مستدرجاً إيران إلى ردٍ ما لبث أن ذهب ضحيتها الرئيس الايراني السابق “رئيسي” ووزير خارجيتها في حادث غامض لسقوط طائرته، قافلاً من بعده باب المفاوضات مع إيران. وهذا يفتح باب السؤال اليوم على ماهية الرد الاسرائيلي والغربي على الاستهداف الايراني الأخير ل”اسرائيل”،، فهل سيتم استهداف وتعطيل برنامجها النووي؟ أم بضرب مرفقها الاقتصادي الحيوي من حقول غاز وابار نفط؟ أم ضربة موجعة غير متوقعة مجهولة الفاعل والهوية؟
اليوم وفي خضم هذا المشهد المعقّد وفي ظل كل ما تقدم وبعد ان ارتفعت حدة الصراع العسكري على مستوى إقليم الشرق الاوسط ككل، وبعد تعطش “نتنياهو” للمزيد من الدماء، وبدعمٍ دوليّ لا متناهي فإن الأمور ذاهبة باتجاه تصعيد أكثر، حدّه الفاصل الاول يوم الانتخابات الاميركية في الشهر القادم، ليس لارتباط جبهة المتوسط بالانتخابات الاميركية بل لتحديد الرئيس الاميركي القادم بناء على معطيات الارض وخصوصاً المتوسطية منها،، فما الولايات المتحدة الا إدارة واحدة وهدف واحد مع اختلاف خطة التنفيذ بين الجمهوري والديمقراطي.
لذلك فإن مشهد الأيام القادمة وحيث ان الحرب بالاهداف فإننا امام الامور التالية:
- مواصلة الاسرائيلي بعمليته العسكرية لتحقيق الاهداف الذي رسمها في بداية الحرب،، وبوتيرة أعلى وأهداف أعمق.
- متغيّر ميداني يُعاود خلط الاوراق في ظل هذا الهيجان الاسرائيلي وهو ضرب منصات الغاز الاسرائيلية (هدف غاز شرق المتوسط) بالاضافة الى استهداف مرفأ حيفا (هدف الممر الاقتصادي).
- هجوم بري معاكس (فأفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم) وهذا مرتبط بقدرة المباغتة والصدمة ولكن احتماله ضئيل خصوصاً بان الاسرائيلي واضع هكذا احتمال.
- الحل الدبلوماسي وهو مستبعد في الوقت الراهن للاسقف الاسرائيلية العالية جداً (سيناريو غزة ومفاوضاتها).
خلاصة القول ومن باب الحقيقة لا التهويل، ان الشرق الاوسط اليوم لا بل العالم ذاهب الى الصراع الاقتصادي كبير والصراع الديني عميق (فإن لعنة العقد الثامن ما زالت تلاحق الصهيونية) لذلك الاسرائيلي اليوم يخوض حرب الوجود له لا حرب البقاء. أما من جانبنا فاننا اليوم نخوض معركة البقاء وعنوانها “الوعي”، لذلك يجب ان نضع أسوأ الاحتمالات في التفكير واخطر الفرضيات في التكتيك، كما نحتاج لأرقى أنواع الوحدة والتآزر بين الأطياف اللبنانية حيث أن الوحدة الوطنية أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل،
ختاماً، صدق من قال: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ}، وبما أننا ثلّة إيمانية عقائدية،، حتى وان خذلنا الصديق ومكر بنا العدّو، فإن يدُ الله غير مغلولة، ولطف صاحب أمرنا يُحيط بنا فإنه غير مهملٍ بمراعاتنا، وإننا على يقين بأن كلما زادت حلكة الليل ظلاماً وسواداً فإن الفجر قريب والله مُظهر أمره وسيجعل لنا بلطفه مخرج.
- د. لقمان ابو زيد
- باحث في الإدارة الاستراتيجية
