من تحت النار والدمار، وزارة التربية تحقق الانتصار./ نادين خزعل.
تنص المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل على أنه لكل طفل الحق في التعليم.
ولكن، إبان الحروب،أحد أهم المتضررين يكونون الأطفال، إذ غالبًا ما تنتهك القوى المعتدية واحدة من أهم قواعد الحروب ألا وهي حماية الأطفال.
وحين تمتد الحروب لفترة زمنية طويلة، فإنه يزداد خطر انعدام التعليم، سيما وأن التعليم لا يمثل غالبًا للجهات المختصة هاجسًا كالمأكل والمشرب والمأوى والدواء.ولكن ما يجب التنبه إليه هو أنه لا يمكن ضمان حق الطفل في التعليم ما لم تتم حماية التعليم نفسه، وهذا الحق بالتعليم بوسعه أن يكون نافذة إنقاذ للأطفال ولحياتهم ولمستقبلهم لأنه يحميهم من الإساءة والاستغلال والانخراط في أنشطة اجتماعية مسيئة كما أنه يمهد لانتصارهم على عدوهم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ومنذ اندلاع الحروب يجب التفكير بمرحلة ما بعد انتهائها، لأن تعطيل التعليم يترك آثارًا تدميرية على الاستقرار النفسي والأمن المجتمعي ويجد الذين لم يلتحقوا بأنظمة تعليمية خلال الحروب أنفسهم في أوضاع صعبة بعد عودة الأمان.
التحديات التي تواجه المعلمين والمتعلمين في الحروب عديدة، ومنها نزوحهم من أماكن سكنهم وتاليًا عدم قدرتهم على الالتحاق بمدارسهم، تدمير المباني المدرسية والبنى التحتية، خفض الإنفاق على التعليم، خسارة دور الأسرة الحمائي بتأمين التعليم، نقص الموارد البشرية، الاضطهاد، الفقر، الإحباط النفسي، القلق، الخوف، فقدان الأمان، تراجع جودة التعليم.
فما هي الحلول المقترحة لمواجهة هذه التحديات أو التقليل النسبي لآثارها؟
بداية، لا بد من ترك القيمين على القطاع التربوي من وزارات وإدارات رسمية وإدارات مدارس يضعون الخطط دون التشويش عليهم ممن ليسوا ملمين بهذا الملف كي يتمكن القيمون من وضع خطط وبرامج تراعي الأسس الإدارية والنفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، ومساعدة المعلمين والمتعلمين على الافادة من دمج سوسيوسيكولوجي تربوي أكاديمي يدعم استمرار التعليم.
ومن ثم يكون على الجهات المعنية تحديد أنواع التعليم الآمن الحضوري أو عن بعد أو المدمج، وتأمين الوسائل التفاعلية والتشاركية وخلق بيئة داعمة تمكينية تتوافر فيها كل أو بعض الحاجات اللوجستية وتعزيز الوصول إلى التعليم والاستثمار في التعليم وصولًا إلى بناء جيل متعلم.
وبعد..
ماذا عن لبنان؟
منذ الثامن من تشرين الأول 2023 والجنوب وبعض المناطق تحت مرمى العدوان الاسرائيلي الغاشم، ورغم ذلك، تمكنت وزارة التربية بقيادة الوزير عباس الحلبي والمدير العام عماد الأشقر وبمشاركة فاعلة من مكونات الأسرة التعليمية من نقابات واتحادات وإدارات وأساتذة وأولياء أمور وطلاب، تمكنت من إنقاذ العام الدراسي وتخطت العوائق وحتى الإمتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة جرت بسلام، إلى أن اتسعت رقعة الحرب عشية انطلاق العام الدراسي 2024-2025 ، واستهدفت همجية العدو الاسرائيلي كل لبنان دون أي سقوف ولا ضوابط ولا روادع، فاستشهد وجرح الآلاف، ونزح أكثر من 35% من السكان، وتدمرت آلاف المباني السكنية وشمل الاستهداف المدارس والبلديات والمستشفيات والطرق وتقطعت جسور الوصل والأمن ووجد اللبنانيين أنفسهم في مرمى نيران البطش والهمجية والوحشية، والمدارس التي كانت تستعد لاستقبال الأطفال مع كتبهم ودفاترهم إذ بها تستقبل الأطفال مع فرشهم ووساداتهم وإذ بذووهم لا يوصلونهم إلى بوابة المدرسة ويغادرون، بل يشتركون مع أبنائهم الصفوف والمقاعد الدراسية التي استحالت مطابخ وغرف نوم وغرف جلوس.
ورغم تعقد المشهد، ورغم ضبابية اللحظة التالية، ورغم النار والدمار، ورغم الظروف القاهرة، ورغم الكثير الكثير من الاستحالات والهواجس، وقفت وزارة التربية ” وقفة وطنية مشرفة”.
” الخيار الأسهل علي كان إلغاء العام الدراسي ” قال وزير التربية عباس الحلبي، لكنه أدار ظهره للقال والقيل ولحملات التشويش الممنهجة ووضع نصب عينيه إنقاذ العام الدراسي مهما كان الثمن.
وبالفعل، أعدت الوزارة العدة، وبعيدًا عن الصخب وعن “شوفيني يا منيرة”، عمل فريق الوزارة ليل نهار بالمعنى الفعلي وبسرعة قياسية على وضع استراتيجيات المواجهة، والخطط والخطط البديلة، ولم يكن هناك تفرد بالرأي، بل أشرك الجميع، وفُصلت خطط على قياس الجميع وإن كانت قد تطول أو تقصر أحيانًا وهذا أمر منطقي.
لن ندخل الآن في مناقشة الخطة التي وضعتها الوزارة وسنقوم بهذا الأمر لاحقًا مع الجهات المخولة مناقشتها ومقاربتها بشكل علمي بحت.
ولكن ما نود الإشارة إليه هو أنه من جديد، يسجل للوزارة نجاحها في الإمتحان ولئن كان هذه المرة مخضبًا بالدماء ومعمدًا بالشهداء ومحاطًا بالنار والدمار.
أنقذت وزارة التربية طلاب لبنان من خسارات أريد لهم أن تضاف إلى سجلاتهم، ومن انتهاكات عُمل على تعريضهم إليها، وسينصف التاريخ هذه الوزارة التي تولت مهامها في واحدة من اعتى مراحل الانهيار الأمني والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، ومن قلب الموت، رفعت الصوت، وأعلنت أن استمرار التعليم هو واحد من أوجه الانتصار…
