حب الآخر وحب الوطن: بين العاطفة والمسؤولية

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم}.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تمهيد:
هذه الآية القرآنية تخص سيدنا يوسف، نبيٌ الله، الذي أوتي الحكمة والطهارة. ومع ذلك لم يزكِّ نفسه، بل اعترف بأن النفس البشرية قد تميل إلى السوء إلا من رحم الله. هذا النوع من التواضع أمام الحقيقة البشرية يدعونا جميعًا إلى مراجعة أنفسنا بصدق وتجرد. اختيار هذه الآية تحديدًا في بداية المقالة يعكس الرغبة في التذكير بأننا بشر نخطئ ونصيب، وأن الطريق نحو التغيير يبدأ بالاعتراف والوعي.
لطالما عودت قرائي على تناول قضايا علمية أو ثقافية أو سياسية بحتة بنَفَس لطالما اردته وطنياً و بأسلوب واضحٍ بهدف التفكير المشترك لاقتراح حلول تُسهم في بناء مجتمع يكون ركيزته العدل. ومع ذلك، وجدت نفسي مع بداية هذا العام مدفوعًا لكتابة مقال قد يكون مختلفاً تمامًا في مضمونه ولكن ليس في أهدافه.
السبب في ذلك بسيط: ما ألاحظه من حولي من تحولات اجتماعية، خاصة في العلاقات الاجتماعية، يدفعني للتأمل. ظاهرة الطلاق، على سبيل المثال لا الحصر، أصبحت مألوفة، تُعالَج وكأنها قرار يومي بسيط. أصدقائي وزملائي يعانون من تبعات هذه الظاهرة، مما جعلني أفكر: هل الشعور بالإنتماء، الذي هو أساس أية علاقة، قد بات هشًا إلى هذا الحد؟
في هذه المقالة، قد يعتقد البعض أنني أكتب من تجربة شخصية أو بسبب مشكلة تخصني. وهنا أطمئن الجميع أن الموضوع أبعد من ذلك بكثير. ما أتناوله اليوم ليس إلا إسقاطًا لفكرة أوسع. كما أن التفاهم بين الشريكين قد يثمر عائلة مستقرة، فإن التفاهم بين ديانتيّ الوطن قد يثمر وطنًا فعليًا.
من هنا، أكتب عن الحب بمعناه الواسع لا بل الأوسع الممكن، ليس كمجرد عاطفة، بل كمسؤولية. أكتب لإثارة النقاش حول كيف يمكن للحب أن يصبح أداة للتغيير، ليس فقط على مستوى الأفراد بل على مستوى المجتمع والوطن ككل.
بهذه الآية الكريمة إذاً أستهل رسالتي ، التي ليست مجرد دعوة لتأمل عابر، بل هي تذكير عميق لي ولكل قارئ بأن النفس البشرية، بطبيعتها، مائلة إلى الخطأ، ولكن الرحمة الإلهية والتواضع والرجوع إلى الله هي السبيل لترويضها وإعادتها إلى طريق الحق.
هذه الرسالة ليست إلا انعكاسًا لما أؤمن به في جوهر العلاقات الإنسانية وبخاصة تلك التي تقوم على الحب، إذ إن هذا الاخير، في جوهره، ليس مجرد شعور؛ إنه مسؤولية، اختبار للنفس، ومسار نحو التغيير. فإن كان الحب صادقًا، فإنه يصبح وسيلة لتهذيب الذات، لتطويرها، ولإعادة صياغة العلاقة مع الآخر بما يحقق التوازن والسعادة.
الحب: عاطفة أم مشروع؟
لا حب دون أهداف. هذه العبارة قد تبدو جافة، ولكنها الحقيقة التي يغفل عنها الكثير. الحب ليس حالة رومانسية مؤقتة تُنسي الواقع، بل هو مشروع حياة يجب أن يُترجم إلى بناء حقيقي على كافة الأصعدة:
أولاً، عاطفيًا واجتماعيًا: الحب لا يزدهر إلا بالصدق، بالاحترام، وبالقدرة على تقبل الآخر كما هو، مع السعي لتحسين الذات بشكل مستمر. هو دعوة لتواصل صادق، مبني على الحوار والفهم، وليس فقط التوقعات غير المعلنة.
ثانياً، جسديًا: الحب أيضًا يتجلى في طريقة التعبير الجسدي، حيث يجب أن يكون هذا التعبير صحيًا ومسؤولًا، يعكس الاحترام المتبادل والرغبة في بناء علاقة سليمة ومثمرة. العلاقة الجسدية ليست مجرد حاجة أو رغبة، بل هي جزء من منظومة متكاملة تعزز الحب وتجعله أكثر عمقًا.
الحب: أداة للتطوير و/أم للتسلية؟
قد يعتقد البعض أن الحب يُمكن أن يكون بلا أهداف، حبًّا لمجرد الحب، ولكن في الحقيقة، هذا النوع من الحب يبقى ناقصًا. الحب بلا أهداف يتحول بسهولة إلى حالة من التسلية أو المشاعر المؤقتة التي لا تترك أثرًا ولا تسهم في بناء الإنسان أو المجتمع.
الحب الذي يحمل أهدافًا يصبح قوة تغيير حقيقية. إنه يشبه البذرة التي تُزرع بعناية لتثمر يومًا شجرة تُظلّل كل من حولها. الحب السليم قادر على تحسين شخصية الإنسان، على جعله أكثر نضجًا، أكثر وعيًا بمسؤولياته، وأكثر قدرة على العطاء.
رسالتي هنا مزدوجة: للحبيب(ة) وللنفس، للذات، ولكل من يقرأ هذه الكلمات. الحب ليس حالة استهلاك للمشاعر فقط؛ إنه مسؤولية يومية، التزام مشترك، ورحلة نعيشها معًا نحو الأفضل.
لذا، ابدأوا بمحاسبة أنفسكم قبل أن تحاسبوا الآخرين.
تعاملوا مع شركائكم كما تحبون أن يُعاملونكم، بل وأفضل.
اسعوا إلى فهم ما تريدون من الحب، وما تستطيعون تقديمه في المقابل.
واعلموا أن الغرور والأنانية هما السم القاتل لأي علاقة.
الحب ليس مجرد كلمات جميلة؛ إنه أفعال يومية، تضحية، وصبر. وهو في النهاية وسيلة لتحقيق التوازن بين القلب والعقل، بين الشغف والمسؤولية، وبين ما نطمح إليه وما نعيشه بالفعل.
الحب الحقيقي ليس هدفًا في ذاته، بل هو وسيلة لنصبح أفضل نسخ من أنفسنا.
