ماذا تريد أميركا من المـ.ـقـ.ـاومة؟

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
رغم الادعاءات الأميركية والإسرائيلية بأنهما هزمتا المقاومة وانتصروا عليها، فإنهما يعترفان ضمنًا بأنها لا تزال قادرة على تعطيل مشروعهما، أو في الحد الأدنى إبقائهما في حالة قلق وعدم اطمئنان، سواء في لبنان أو في المنطقة (عدم عودة المستوطنين مثالًا). ولذلك، يواصلون هجومهم المكثف، مستغلين المرحلة الصعبة التي تعيشها المقاومة وأهلها، لإعادة تنظيم أوضاعهم، واستيعاب الضربات القاسية التي تلقوها، وإعادة التموضع وهيكلة بنيتهم التنظيمية والعسكرية والاجتماعية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
على أهل المقاومة أن يدركوا مكانتهم وقوتهم، وأنهم يعادلون في تأثيرهم وقيمتهم كبرى الدول العربية والإسلامية، تلك الدول التي يكفي أن يشير إليها ترامب بإصبعه حتى تهرول طائعة، حاملةً أموالها ومقدراتها، لتضعها على مائدة “السيد الأميركي”. وفي الوقت نفسه، كان الثنائي المتوحش “ترامب–نتنياهو” يحتفل بـ”البايجر الذهبي” بعد اغتيال السيد الشهيد!
أن تحتفل أميركا، التي تحكم العالم، باغتيال قائد يؤيده مليون شيعي فقط وبعض الوطنيين في لبنان، فهذا يعني أن قوة هؤلاء الشيعة وحلفاءهم وتأثيرهم تعادل قوة وقيمة مليار مسلم… فهل هذا يُعدّ هزيمة أو ضعفًا للمقاومة وأهلها؟ وإذا كانت المقاومة قد انهزمت ولم تعد موجودة، فلماذا إذن ترفضون مشاركتها في الحكومة؟
تعرف أميركا، وجرّبت ذلك عام 1983 في تفجير مقر المارينز وقبله السفارة الأميركية في عين المريسة، كما اختبرت إسرائيل الشيعة في جنوب لبنان أكثر من مرة. ولذلك، تدرك أن بقاء المقاومة في لبنان يعني استمرار المقاومة الفلسطينية في الداخل، وعدم استقرار سوريا، وامتلاك إيران عناصر قوة في الخارج!
الضغوط الأميركية وشروط التفاوض
تضغط أميركا على المقاومة لاستدراجها إلى التفاوض، لأنها تعلم أنها غير قادرة على القضاء عليها. وأقصى ما يمكنها تحقيقه هو الحد من نفوذ المقاومة وتقييد حركتها القتالية. لذا، فهي تضغط للتفاوض، بل إنها جاهزة لتقديم تنازلات ومنح الحكم للمقاومة وحلفائها – أو ما تبقى منهم – مقابل التزام المقاومة بالشروط التالية:
- التعهد بعدم تهديد الأمن الإسرائيلي عبر تدمير الصواريخ البعيدة المدى التي تهدد العمق الإسرائيلي، والاكتفاء بالأسلحة الفردية والمتوسطة.
- التعهد بعدم دعم المقاومة الفلسطينية ميدانيًا، سواء عبر الإسناد العسكري كما حدث في حرب الإسناد، أو عبر الإمداد اللوجستي الذي كان الأساس في تسليح غزة، وذلك لأن إسرائيل تسعى إلى إنهاء المقاومة المسلحة في فلسطين.
- التعهد بعدم التدخل في سوريا، وعدم دعم أي مجموعات مسلحة ضد سلطة “جبهة النصرة”، مقابل ضمان أميركي بعدم مهاجمة “النصرة” للبنان.
- التعهد بحصر نشاط المقاومة داخل لبنان، وعدم التدخل إقليميًا.
في حال قبول المقاومة بهذه الشروط – وقد تم عرض بعضها خلال حرب الإسناد، وجرى القبول بـ”بعض بعضِها” – فإن أميركا مستعدة لتقديم تنازلات، مثل رفع الحصار، والسماح للدول العربية بتحمل نفقات إعادة الإعمار.
أميركا والمقاومة… من يصرخ أولًا؟
ستواصل أميركا الضغط على المقاومة، لكنها لن تصل إلى لحظة الصدام المباشر، لأن إشعال النار في لبنان ليس في مصلحتها، فهي لا تريد خسارة الساحة التي تدّعي امتلاكها الآن. أما المقاومة، فليس لديها ما تخسره أكثر مما خسرت، لكنها تمتلك القدرة على “إيذاء” التحالف الأميركي–الإسرائيلي وأدواته، وعدم تركهم يهنأون بانتصارهم المزعوم. فإذا كانت المقاومة قد خسرت الساحة، فهي قادرة على إلحاق الخسائر بالآخرين!
نحن الآن في مرحلة “إظهار أوراق القوة”، ومن يصرخ أولًا أو يتنازل أولًا، سيكون هو الخاسر. لكن الأكيد أن أميركا هي التي ستتراجع في النهاية، حتى تضمن تحقيق جزء مما تريد.
الأولويات… والتنازل المستحيل
تعمل قوى المقاومة وفق قاعدة الأولويات ومصلحة أهلها ووطنها. وأهم أولوياتها الآن حفظ أهلها ووجودها، قبل أي عمل إقليمي آخر، ولكن دون إعلان أي تنازل أو التزام بأي تعهد. وكما قال السيد المسيح (ع):
“ماذا يجني الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟”
والأسوأ من ذلك… أن يخسر نفسه، دون أن يربح العالم!
