حرب نزع السلاح… ما هي الضمانات البديلة؟

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
بعد الانسحاب الإسرائيلي غير النهائي من لبنان وانتهاء الاجتياح البري، مع بقاء الخروقات الجوية، بدأت أميركا معركة “نزع السلاح المقاوم” دون شروط أو مفاوضات أو ضمانات، بهدف سلب لبنان كل أوراق القوة التي يمتلكها، مع معرفتها بعدم قدرة الجيش اللبناني على المواجهة العسكرية، وتقييده بالقرار السياسي. فالجيش اللبناني، الذي لا يستطيع البقاء في مواقعه العسكرية أو حتى إقامة حاجز إلا بإذن إسرائيلي يتيح له المرور إلى القرى المحررة، ليس جباناً أو فاقد الإرادة، بل لأن القرار السياسي يمنعه من ذلك.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أدارت أميركا أدواتها في لبنان، من أحزاب وسياسيين وإعلاميين، للبدء بمعركة نزع السلاح، متجاوزين الوقائع، ومحدّدين مهلاً زمنية لتسليم السلاح أو نزعه بالقوة خلال شهر أو ستة أشهر كحد أقصى. كما سارع بعض السياسيين إلى إعلان شروطهم للحوار، بل وحتى شروط قبولهم بالمقاومة وأهلها، وكأنهم يمنحونهم حق المواطنة من باب الشفقة والاحتضان.
يأتي ذلك في تكرار لما حدث في سوريا، رغم أن المشهد السوري لا يزال يكتنفه الغموض، ولم يرسُ على شاطئ الاستقرار ووحدة الأراضي. بل إن المرحلة الحالية تشهد خطوات واضحة نحو تقسيم سوريا وفق المشروع الأميركي – الإسرائيلي.
تساؤلات مشروعة لمن يطالبون بنزع السلاح:
نتوجه إلى هؤلاء، ممن نطلق عليهم “منظومة الببغاء السياسي”، الذين يرددون ما تقوله أميركا وبعض السفارات، ونسألهم:
- ما هي الضمانات لأهل الجنوب، ولبنان عموماً، لمنع المجازر والاعتداءات الإسرائيلية؟
- ما هي الضمانات لمواجهة التوطين الذي سيُفرض بقرار أميركي؟
- ما هي الضمانات لمنع تجنيس النازحين السوريين ودمجهم في المجتمع اللبناني بقرار دولي؟
- ما هي الضمانات للطائفة الشيعية، التي لا تزال ترفع شعار دعم فلسطين ومقاومة المشروع الأميركي والإسرائيلي، حتى لا تواجه المصير نفسه الذي يواجهه الشيعة والعلويون والمسيحيون والدروز (وبعض السنّة) في سوريا؟ خاصةً أن الشيعة لا يمكن أن يلجأوا إلى الاحتماء بالعدو الإسرائيلي كما فعل غيرهم في لبنان وسوريا.
- ما هي الضمانات لعدم فرض اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل، تكرّس المصالح الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية؟
نزع السلاح بالقوة: مقدمة لاستعمار لبنان
إن الإصرار على نزع السلاح المقاوم بالقوة، سواء عبر الفصل السابع الدولي، أو التدخل الأميركي، أو من خلال اجتياح إسرائيلي جديد، يمهّد لجعل لبنان مستعمرة أميركية، وقبول التوطين، وفرض التجنيس، والانصياع لسلام مذلّ مع العدو الإسرائيلي.
إن المجتمع المقاوم لن يقبل بتسليم سلاحه وسيواجه أي محاولة لنزعه بالقوة، طالما أن الضمانات لحفظ سيادة لبنان وأمنه ومصالح شعبه غير متوفرة، والبديل الوحيد المطروح هو الاستسلام والخضوع للهيمنة الأميركية وأدواتها في لبنان والمنطقة.
المقاومة ليست خيار حزب أو حركة… بل قرار شعب
إن كل لبناني، سواء كان مسؤولاً أو حزبياً، يتطوع ليكون أداةً في معركة نزع السلاح، مع معرفته بخطورة هذا الشعار، يجب التعامل معه على أنه ضمن الخندق الأميركي – الإسرائيلي، بل ربما أسوأ، لأنه يبيع وطنه مقابل لقبٍ أو حفنة من الدولارات، متنازلاً عن كرامته وسيادته.
نحن لسنا ضد الحوار حول استراتيجية دفاعية تحمي لبنان، ولسنا من هواة الحروب الدائمة أو المقاومة المستمرة، بل لجأنا إليها بعد خمسين عاماً من الاعتداءات الإسرائيلية، دون أن يدافع عنا أحد، لا الدولة اللبنانية، ولا العرب، ولا الأمم المتحدة. فاضطررنا إلى الدفاع عن أنفسنا، وسنبقى نفعل ذلك، كي لا نجد أنفسنا في مشهد تهجيري، كما هو الحال في غزة والضفة، ولن نكون جنوب سوريا، ولا إحدى العواصم العربية التي سقطت بأيدي أميركا وإسرائيل.
قال الإمام الصدر: “لن نقبل أن يبتسم لبنان ويبقى جنوبه متألماً”. هذا الشعار سيبقى قائماً، ولن نسلّم السلاح إلا بعد تأمين البديل الذي نطمئن إليه. ومن يريد المغامرة بنزع السلاح بالقوة، فهو يشعل حرباً أهلية جديدة ستحرق الجميع.
إن القبول بنزع السلاح ليس قرار حزب أو حركة… بل هو قرار شعب ومجتمع مقاوم.
