حكومة ما بعد الحرب.. “أنا” ولا أحد!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
بدأت أميركا في بناء النظام السياسي والإداري والتربوي في لبنان وفق معاييرها وشروطها، انطلاقًا من قناعتها بأن الطرف المعارض لسياستها، المتمثل بقوى المقاومة وأهلها، قد هُزم في الحرب التي شنّتها إسرائيل عليه. ولا تزال هذه الحرب مستمرة من خلال عمليات الاغتيال والقصف، بالتوازي مع عدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، سواء القديمة أو الجديدة، في مخالفة واضحة لقرارات الأمم المتحدة 425 و1701، ولاتفاق “تشرين” مع ملاحقه الشفوية من التفاهمات والضمانات الأميركية غير المعلنة، والتي لن تكون لصالح لبنان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
معالم النظام الأميركي في لبنان
من أبرز ملامح النظام السياسي الذي تعمل أميركا على ترسيخه، إلغاء دور الأحزاب في صياغة التمثيل الحكومي والإداري والعسكري، والسعي إلى تقليص نفوذها على المستوى النيابي، أو على الأقل منع احتكارها للتمثيل النيابي، خاصة التمثيل الشيعي.
يعمل رئيسا الجمهورية والحكومة وفق برنامج عمل مخطط ومدروس، يُطلب تنفيذه بالكامل، وهذا ما يؤكدان عليه تحت شعار: “الدولة وحدها”، مع رفض أي شراكة معها، إضافة إلى تأكيد “حصرية السلاح” و”قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها… ولا أحد غيرها”.
نهج رئيس الحكومة في التعيينات
أعلن رئيس الحكومة، أمام ممثلي الشعب في مجلس النواب، بشكل صريح وواضح، أنه شكّل الحكومة وفق “معاييره الخاصة” وليس وفق معايير الآخرين، في إشارة إلى النواب ومن يمثلونهم. كما أكد أن التعيينات الإدارية والعسكرية ستتم وفق معاييره كرئيس حكومة، وليس وفق معايير الأحزاب أو المرجعيات الدينية أو السياسية. وسيكون باب الترشيحات مفتوحًا أمام أصحاب الكفاءة من المواطنين لأي منصب إداري أو تربوي، على أن تختار الدولة وتُعيّن مع الحفاظ على التوازن الطائفي. كما سيتم استبعاد المنتسبين حزبيًا بشكل مباشر (كما جرى عند اختيار الوزراء) عند تعيين المديرين العامين والموظفين وعمداء ومدراء الجامعة اللبنانية.
سيتم تعيين شخصيات مقربة من الأحزاب أو على ضفافها لضمان احتكار القرار بيد الدولة، بحيث يكون ارتباط الموظف بمؤسسات الدولة وليس بالمرجعيات الدينية أو السياسية أو الحزبية التي قامت بتعيينه. والهدف هو ترسيخ “الولاء للدولة” وليس للزعماء والأحزاب.
المشروع الأميركي بين التمكين والتصادم
تعمل أميركا على بناء مشروعها السياسي والإداري والأمني لضمان سيطرتها على النظام، تحسبًا لأي انتكاسة قد تؤدي إلى انقلاب الموازين ضدها. فهي تدرك أن القوى المناهضة لمشروعها لن تبقى صامتة أو مستكينة، بل إن لحظة التصادم والانفجار قادمة لا محالة، كما حدث في محطات سابقة. وهذا ما سيدفع الطرفين، الأميركي والمقاوِم، إلى تسويات تضمن مصالح كل منهما، لكن بأفضلية للمشروع الأميركي بعد استكمال التعيينات وفرض الوقائع، وغياب القيادات الفاعلة والمؤثرة داخل طوائفها.
استثمار الفشل والفساد
تستغل أميركا تداعيات الفشل والفساد اللذين طبعا مرحلة حكم الأحزاب، والتي كانت، إلى حد كبير، نتيجة تخطيط وقرارات أميركية أفضت إلى:
- خسارة اللبنانيين ودائعهم وثرواتهم.
- انهيار قيمة رواتبهم وإضمحلال تعويضاتهم التقاعدية.
- فرض حصار اقتصادي خانق.
- تصاعد موجات هجرة الشباب.
وقد أدى ذلك إلى تزايد النقمة على الأحزاب، أو على الأقل تراجع الرضا عنها. وبالتالي، تسعى أميركا إلى الفصل بين موقف الناس من القضايا السياسية والاستراتيجية، حيث لا يزالون يدعمون المقاومة ويحتضنونها، وبين غضبهم من أداء الأحزاب في إدارة الدولة والوزارات والمؤسسات. فاللبنانيون باتوا يطالبون بتكافؤ الفرص في الوظائف وعدم حصر الدخول إلى المناصب عبر الزعامات الحزبية أو المرجعيات الدينية.
مسؤولية الأحزاب
على الأحزاب مراجعة سلوكياتها ونقد تجربتها، وفتح أبوابها أمام الناس الذين أيّدوها وانتخبوها طوال العقود الثلاثة الماضية، والتعامل معهم بوصفهم جزءًا أصيلًا منها. كما ينبغي ألا تحصر التعيينات بالمنتسبين والمقرّبين أو المتمولين وأصحاب الرشى والمصالح، بل أن تفسح المجال أمام أهل الكفاءة الذين تم استبعادهم وسلب حقوقهم طوال ثلاثين عامًا وأكثر.
تساؤلات المرحلة المقبلة
- هل تنجح أميركا في بناء نظام سياسي وأمني وإداري وتربوي وفق شروطها؟
- هل ستقبل الأحزاب والمرجعيات السياسية والدينية خسارة نفوذها في التعيينات؟
- هل ستتحرك قوى المقاومة أم ستظل صامتة بانتظار لحظة التمكّن لإعادة ترتيب المشهد؟
أميركا لن تتخلى عن “غنيمتها” بسهولة، وقوى المقاومة لن ترضى بإحراق إنجازاتها. لذا، فإن لحظة التصادم تبدو أمرًا شبه حتمي، وإن كان توقيتها غير معلوم حتى الآن.
