هل يكرّر دروز سوريا خطأ المسيحيين في لبنان؟

انزلقت الأحزاب المسيحية اليمينية اللبنانية في أتون الحرب الأهلية، مستعينةً بالعدو الإسرائيلي ومتحالفةً معه، بحجة طلب الحماية من تجاوزات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية. وقد أفضى هذا التحالف إلى تقارب بين أحزاب الكتائب، الأحرار، والقوات اللبنانية، تُوّج باجتياح عام 1982، وتأسيس جيش لبنان الحر بقيادة الضابط اللبناني سعد حداد، ثم جيش لبنان الجنوبي بقيادة الضابط أنطوان لحد.
كانت أسباب هذا الانزلاق—الخطأ—عاملين رئيسيين:
- وجود منظومة من العمالة والتعاون مع إسرائيل داخل القيادات السياسية والحزبية المسيحية، بهدف استلام السلاح والاستعانة بالعدو الإسرائيلي لتثبيت مواقعهم السياسية في لبنان.
- تجاوزات المقاومة الفلسطينية والهجوم على القرى المسيحية في الجنوب، مثل بلدة العيشية وغيرها، مما أفسح المجال أمام القيادة المسيحية لتبرير تعاملها مع إسرائيل وطلب حمايتها في الشريط الحدودي. وقد أيدت “الجبهة اللبنانية” هذا التوجه، حيث صرّح الرئيس كميل شمعون علنًا مشيدًا بشجاعة الرائد سعد حداد وجيشه، قائلًا: “شكرًا للرائد حداد وجيشه، فالجنوب لن يعاني مصير الدامور والجية والسعديات من الإبادة الجماعية والتهجير”.
استغل العدو الإسرائيلي الواقع اللبناني وحصار المسيحيين في الجنوب، فأنشأ “الشريط الجنوبي المحتل” بعد اجتياح 1978. وكان الهدف الأساسي ليس حماية المسيحيين، بل استخدامهم كأكياس رمل لحماية المستوطنين. وبعد اجتياح 1982، وتعامل بعض المسيحيين مع إسرائيل، وانتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، انتهى المصير السياسي والعسكري للمسيحيين في معارك الجبل ضد الدروز، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، الذي ترك الساحة مفتوحة للقتال المسيحي-الدرزي، مما أدى إلى تهجير المسيحيين بالكامل من الجبل.
وفي عام 2000، عند تحرير الجنوب، انسحب الجيش الإسرائيلي دون إبلاغ عملائه في جيش لحد، وتركهم يواجهون مصيرهم عند “بوابة فاطمة”، التي أغلقها في وجوههم. وبعد مناشدات، اضطر إلى فتحها، ففرّ آلاف العائلات إلى داخل إسرائيل، حيث واجهوا العيش في الغربة والإذلال في مخيمات اللاجئين. هكذا، انتهت تجربة المسيحيين الذين طلبوا الحماية الإسرائيلية إلى تهجيرهم أو نفيهم أو هجرتهم دون عودة… فخسر المسيحيون، وربحت إسرائيل!
واليوم، يبدو أن العدو الإسرائيلي يحاول استنساخ تجربته مع مسيحيي لبنان، ولكن هذه المرة مع الدروز في سوريا، مستغلًا إرهاب السلطة الجديدة ضد الأقليات، بما في ذلك الدروز، ومحاولة تغيير عقيدتهم الدينية، واستبعادهم عن الحكم، والتعامل معهم كمواطنين بلا حقوق. وبالتزامن مع تحركات بعض الشخصيات المتعاملة مع العدو الإسرائيلي، تم فتح أبواب المناطق الدرزية أمام الجيش الإسرائيلي، الذي يسعى للتغلغل في سوريا واغتنام اللحظة التاريخية التي انتظرها منذ 70 عامًا.
ورغم تعاطفنا وتأييدنا للأخوة الدروز في سوريا، الذين يعانون من الإرهاب الجديد، كما تعاني بقية الأقليات من شيعة وعلويين ومسيحيين، بل حتى السنة غير الموالين للجماعات التكفيرية، إلا أن عليهم قراءة تجربة المسيحيين في لبنان، وكيف دفعوا ثمن تعاونهم وطلب الحماية الإسرائيلية. يجب على الدروز أن يتحلّوا بالصبر في مواجهة الترهيب والاعتقالات والاعتداءات، وألا يتنازلوا عن وطنيتهم أو ينجرّوا نحو الخيانة تحت عنوان طلب الحماية.
يخوض الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين معركة “حفظ البقاء” كأقلية تتوزع على ثلاث دول، تحكمها الصراعات العربية-الإسرائيلية، بالإضافة إلى النزاعات الداخلية في لبنان وسوريا، بينما تبقى المعضلة الأكبر هي الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
يحاول الدروز تحقيق توازن بين انتمائهم الوطني والقومي، وبين معركة “حفظ البقاء”، التي تواجه اهتزازات عنيفة وخطيرة، شأنهم شأن كل الأقليات في المنطقة، منذ بداية ما يُعرف بـ”الربيع العربي” وما تبعه من زلازل سياسية وأمنية، لا سيما في غزة وسوريا ولبنان.
فهل سينجح الدروز في الحفاظ على هويتهم الوطنية والقومية؟ أم سينزلقون تحت ضربات الإرهاب الجديد في سوريا؟ وهل ستتمكن بعض الشخصيات العميلة لإسرائيل من استدراجهم إلى المحظور؟ أم أنهم سيواجهون خطر التذويب العقائدي أو التهجير طويل الأمد؟
التاريخ وحده كفيل بالإجابة…
