الضمانات الأمريكية… وفشل البث التجريبي لنزع السلاح!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
ليلة أمس، شنّ العدو الإسرائيلي اجتياحًا جويًا بعد الإفطار كضربة استباقية، وفقًا لما صرّح به جيشه، بحجة نية المقاومة خرق وقف إطلاق النار. ويبدو أن طائراته التجسسية التقطت حتى “دعاء” الصائمين بهلاك أعدائهم، فشنّ حوالي 30 غارة على مختلف مناطق الجنوب.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
استطاعت المقاومة، خلال الأشهر الماضية التي أعقبت وقف إطلاق النار و”الهدنة المخادعة”، تحقيق انتصار في معركة إثبات ضرورة بقاء سلاحها، دون الحاجة إلى مناقشات وحوارات، بل بالصبر والانضباط والتضحية، حيث قدّمت دماء قادتها ومجاهديها بصمت، مقابل اغتيالات استهدفتهم وتدمير منازلهم ومواقعهم العسكرية المزعومة.
التزمت المقاومة الصمت، وافتدت أهلها بنفسها، ولم تردّ على الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة رغم الحرب المفتوحة عليها وانتهاك العدو لكل الاتفاقات، سواء القرار 1701 أو ما سبقه من قرارات، وحتى القرار 425 الذي فرضت المقاومة تطبيقه بالقوة عام 2000، لتعود إسرائيل وتخرقه مجددًا!
وقدّمت إسرائيل بنفسها الدليل للحمقى والمتآمرين في لبنان على ضرورة عدم تخلي المقاومة عن سلاحها، إذ قامت المقاومة ببثّ تجريبي لـ”نزع السلاح”، فأسكتت صواريخها وسلاحها طوال ثلاثة أشهر، لتثبت أن الضمانات الأمريكية والقرارات الدولية والمقاومة الدبلوماسية أو السياسية لا جدوى منها إن لم تكن مدعومة بالقوة، وأن السلاح هو الضمانة الحقيقية على المستوى المادي، والتأييد الإلهي هو الضمانة على المستوى الديني والعقائدي.
نزعت المقاومة سلاحها طوعًا وبشكل مؤقت، ولم تستخدمه رغم امتلاكها له وقدرتها على الرد، ليطرح أنصارها، من موقع التأييد، وخصومها، من موقع الحقد والخبث، السؤال التالي:
لماذا لا تردّ المقاومة؟
هل لأنها ضعيفة؟ أم خائفة؟ أم مربكة؟ أم أنها لا تزال في العناية الفائقة؟
وجواب المقاومة ينفي كل هذه الاحتمالات، فهي رغم جراحها ليست ضعيفة، وليست خائفة، فماضيها يروي بطولاتها، وآخرها حرب الـ66 يومًا الكربلائية الاستشهادية، كما أنها ليست مربكة، بل عاقلة ومدركة تمامًا لما يجري، وتمسك بزمام الأمور بوعي وحكمة دون انفعال.
أما سبب عدم ردها “الآن”، فيعود إلى عدة عوامل:
- إثبات أن حماية لبنان وشعبه وسيادته لا تتحقق إلا بالقوة، التي تمتلكها المقاومة بالتعاون مع الجيش والشعب، بعدما أسقط العدو ثلاثية (الجيش، الشعب، الدولة) بالقصف وعدم التزامه بأي اتفاق، فضلًا عن القيود الخارجية المفروضة على الدولة.
- إظهار زيف الضمانات الأمريكية والدولية، التي لم تمنع إسرائيل من العدوان ولم تفرض عليها أي انسحاب من لبنان.
- استغلال الوقت لإعادة هيكلة المقاومة وتنظيم صفوفها، بعد الضربات القاسية التي تعرضت لها والحرب العالمية المستمرة ضدها، والتي لو تعرضت لها أي مقاومة أو جيش آخر، لما بقي قائمًا حتى اليوم.
- الصبر الاستراتيجي لمراقبة الأوضاع الإقليمية والدولية، بعد العاصفة الأمريكية-الإسرائيلية التي أسقطت النظام في سوريا وأبادت غزة وتحاول تطويق لبنان.
- تطوير أساليب المقاومة وفقًا للمعطيات الجديدة، عبر استخلاص الدروس من تجربة ما بعد 2006، واعتماد خطط عمليات جديدة، منها “المقاومة غير المرئية”، التي تنسجم مع المستجدات دون التراجع عن الهدف الأساسي: حماية لبنان وتحرير أرضه، مع تجنّب الفتنة الداخلية وعدم الوقوع في شباك المشروع الأمريكي، سواء بأساليبه الناعمة أو الساخنة.
إن ما تمارسه المقاومة اليوم هو قمة الحكمة والوعي والصبر الاستراتيجي، رغم تفهّمها لمشاعر أهلها الذين اعتادوا، بفضل الله وتضحيات المقاومين، على مرحلة من العزة والمعنويات العالية، حيث كان العدو يخضع لشروط المقاومة في توازن الردع وقواعد الاشتباك. أما اليوم، ومع غياب هذا التوازن، يشعر أهل المقاومة بالقلق ويطالبون باستعادة الردع وتثبيت قواعد الاشتباك.
إن الحرب كرٌّ وفرٌّ، انتصار وهزيمة، وأحيانًا تكون هناك هُدنٌ أو وقف لإطلاق النار، والمطلوب من أهل المقاومة التحلّي بالصبر، لأن المقاومة اختارت أن تكون فداء لهم، فتصبر على اغتيال قادتها حتى لا تنجرّ إلى ردّ غير مدروس قد لا يكون في مصلحتها أو مصلحة شعبها. وهي تقدّم الشهداء بصمت، نيابة عن تهجير أهلها وتدمير بيوتهم، في انتظار اللحظة المناسبة التي ترى فيها أن الردّ سيعيد تثبيت قواعد الاشتباك وضمان الأمن، وربما تطول هذه اللحظة حتى نهاية العام.
الصبر في الحرب هو مفتاح النجاح، فهو ما يجعل الكمين ناجحًا ومؤثرًا، وهذا بالضبط ما تفعله المقاومة. فليصبر الجميع قليلًا، فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. إننا اليوم نقاتل أمريكا، التي تخشاها الصين وروسيا، وأمريكا بدورها تخشى بقاءنا أحياء مقاومين. لذلك، علينا أن نحافظ على المقاومة وأهلها، لأنهم هم الأمل الأخير في هذه المعركة الوجودية.
