لماذا أيقظت أميركا تنظيم “داعش” ضد “الجولاني”؟
أنهت أميركا بنجاح المرحلة الأولى من حربها على سوريا، فأسقطت النظام، وفكّكت الدولة، وحلّت الجيش النظامي، ودمّرت الترسانة العسكرية، وقطعت خطوط الإمداد عن المقاومة في لبنان وفلسطين. كما أغلقت مقارّ اللجوء والإعداد للقيادات الفلسطينية، لا سيما من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، مع تضييق متزايد على الحركة واعتقال مسؤوليها المقيمين في سوريا.
بدأت واشنطن بتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع “الفوضى الخلّاقة” لمصلحة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وهي في الحقيقة فوضى هدامة للشعب السوري بكل طوائفه. وقد اتبعت خطة ذكية وخادعة: التهام الطوائف طائفةً تلو الأخرى. فبعد تهديد “الدروز” في السويداء والجنوب بالتكفير، وبتواطؤ بعض الشخصيات الطامحة للمناصب والمصالح، اضطر بعضهم إلى طلب الحماية الإسرائيلية، وسط معارضة خجولة وضعيفة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ثم أطلقت أميركا وتركيا مرتزقتهما من الجماعات التكفيرية نحو الساحل العلوي والمسيحي، حيث ارتُكبت المجازر وعمليات الخطف والتهجير، في سياق الضغط على العلويين لطلب الحماية الدولية أو الهجرة، تمهيدًا للسيطرة على الساحل السوري وثرواته من النفط والغاز. وفي موازاة ذلك، حافظت أميركا على نفوذها في المناطق الكردية كوسيلة ضغط دائمة على تركيا، تحرّكها متى تقاعست عن تنفيذ المشاريع الأميركية – الإسرائيلية.
لم تعرف سوريا منذ الاستقلال استقرارًا في الحكم، فكانت ساحة للانقلابات العسكرية، حتى جاء انقلاب الرئيس حافظ الأسد الذي دام 54 عامًا، وأسقط عام 2024 بعد حرب عالمية على النظام استمرت 13 عامًا. ويبدو أن سوريا عادت إلى حقبة الانقلابات والفوضى، وسط تصحّر سياسي وجغرافي: جنوبها صار إسرائيليًا، شمالها تركيًا – كرديًا، وغربها (الساحل) يتجه ليصبح محمية دولية برعاية أميركية.
تحتفظ أميركا بتنظيم “داعش” كورقة احتياط للطوارئ في سوريا والعراق. وقد جرى حمايته ومنع القضاء عليه، ليُستخدم في اللحظة المناسبة. في العراق، يبقى “داعش” تهديدًا دائمًا، تستخدمه واشنطن لتبرير وجودها العسكري، وابتزاز الدولة العراقية، ولدعم معنوي للقوى السياسية السنّية ضد نظرائها من القوى الشيعية.
وفي سوريا، أيقظت أميركا “داعش” بعد خمسة أشهر من إسقاط النظام، ببيان تهديد صريح ضد “أبو محمد الجولاني”، واصفة إياه بالخائن والمرتدّ والموالي “للصليبيين”، تمهيدًا لإعلان الحرب عليه، ولبدء تناحر الفصائل التكفيرية فيما بينها. هذا التناحر قد يشكّل عبئًا على المشروع الأميركي، ولكنه أيضًا وسيلة للتخلص من فائض المقاتلين عبر الاقتتال الداخلي، ثم نقل الباقين إلى اليمن، حيث أخفقت أميركا حتى الآن في الحسم الجوي، وتسعى لإشعال حرب أهلية جديدة هناك.
لكن ما هو الهدف الحقيقي من إيقاظ “داعش”؟
-
هل تريد أميركا تصفية “الجولاني” بعد انتهاء مهمته في إسقاط النظام السوري، كما فعلت سابقًا مع “بن لادن” و”البغدادي”، تمهيدًا لتقسيم سوريا إلى كانتونات فيدرالية أو كونفدرالية توزّع على تركيا و”إسرائيل” ودول الخليج؟
-
هل تسعى لتحييد “الجولاني” لا أكثر، والإبقاء عليه كغطاء لتشريع النهب الدولي لسوريا وثرواتها عبر اتفاقيات تُفرض على البلاد لعقود مقبلة؟
-
أم أنها تفسح المجال لـ”داعش” الموجود في حمص والبادية، لينقضّ لاحقًا على الساحل العلوي والبقاع اللبناني، لاستنزاف المقاومة والضغط عليها من الجنوب الإسرائيلي والجو؟
الولايات المتحدة مستمرة في حربها المفتوحة التي ربحت فيها عدة جولات عسكرية وسياسية، لتأسيس “الشرق الأوسط الكبير” عبر أذرعها: الإسرائيلية والتكفيرية من جهة، والمالية والسياسية والدينية من جهة أخرى، والتي تمثّلها بعض دول الخليج وتنظيمات الإسلام السياسي السنّي التاريخية.
ماذا بعد؟
تستدعي هذه الحرب الشاملة قيام جبهة مقاومة موحدة على مستوى الإقليم، تجمع المتضررين والمستهدفين، وتوحد صفوفهم في الميدان، كي لا يُقضى عليهم تباعًا.
وعلى المقاومين في لبنان خصوصًا أن يبادروا فورًا إلى التنسيق والتعاون، بعقلانية وموضوعية وشجاعة، بعيدًا عن الطائفية والانفعالات، وألا يقعوا في فخّ المذهبية. كما يجب أن ينتبه النازحون السوريون واللاجئون الفلسطينيون من خطر تحويلهم إلى أدوات تُستخدم لإطفاء نار المقاومة، ثم يُلقى بهم في النار بعد انتهاء دورهم.
من يغدر بالمقاومة أو يشارك في إسقاطها، سيكون هو نفسه الضحية التالية، ولن يحظى لا من الأميركي ولا من الإسرائيلي بأي “مكافأة” لخيانتهم إخوانهم وشركاءهم في الوطن والمقاومة.
