انقلاب حلفاء المقاومة… وتبنّيهم للموقف الإسرائيلي!/ د. نسيب حطيط
طوال ثلاثة عقود، تحمّلت المقاومة أعباء حلفائها الضعفاء، وقدّمت لهم كل ما تملك من دعم مالي، وسياسي، ومعنوي، وحتى انتخابي. عطّلت المؤسسات – من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة – من أجل فرض بعض الأسماء، تحت ذريعة أن انتخابهم يحمي المقاومة وسلاحها. وهي ذريعة يشوبها الالتباس ويفتقر هذا الادعاء إلى الدقة، لأن الحقيقة أن المقاومة وسلاحها هما من يحمي الأشخاص، والأحزاب، والمناصب… وليس العكس.
لقد تم تعطيل الحياة السياسية والمؤسساتية لسنوات، في تجربتين ثبت فشلهما، حيث إنّ من ضحّت المقاومة لأجلهم – سواء كطرف منفرد أو كثنائية شيعية – وتحمّلت كلفة تثبيتهم في مواقع القرار، سرعان ما انقلبوا عليها، وبدأوا يحملونها مسؤولية “خراب البلد”، مطالبين اليوم بحصرية السلاح بيد الدولة، وداعين صراحة أو مواربة إلى نزع سلاحها.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
صرنا – للأسف – لا نميّز بين اليمين اللبناني الواضح في موقفه ضد المقاومة، وبين من كانوا يُحسبون يومًا على “حلف المقاومة”، والتحقوا اليوم بركب حلفاء إسرائيل، وبدأوا يردّدون نفس المطالب، بل ويعلنون مبايعتهم لنتنياهو بدل السيد الشهيد… وسلاحه.
هؤلاء السياسيون الذين “يلعقون” من مائدة المقاومة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لو تُركوا وشأنهم، لما تجاوز وزنهم السياسي موقع مختار، أو حزبًا هامشيًا بلا كتلة نيابية، أو شخصية لا يحترمها الشارع. فهم بلا كفاءة، ولا حضور، ولا قدرات.
واليوم، نرى “أولاد القصعة” من الانتهازيين والوصوليين – إعلاميين وسياسيين وموظفين – يقفزون من سفينة المقاومة بعد استشهاد قائدها، ويتحولون إلى جبهة الخصوم، يطلقون سهامهم ورصاصهم نحوها، ويكشفون أسرارها وطرق عملها، ويعلنون ولاءهم للأسياد الجدد. لأنهم باختصار: سياسيون للإيجار، إعلاميون للإيجار، وعلماء دين للإيجار.
لم تُحسن المقاومة اختيار بعض حلفائها، فوقعت في فخ الاعتماد على المدّاحين والمتزلفين، وعلى من يعملون بمنهج “الأوتو ستوب” السياسي: يركبون المركب عندما يكون سالكًا، وينزلون منه عند أول حاجز أو زحمة.
لقد أثبتت الوقائع “غدر” أكثر الحلفاء، سواء بسبب سوء الاختيار أو نذالة هؤلاء واسترزاقهم… أو الأمرين معًا. وتمكن التحالف الأميركي – العربي – الإسرائيلي من نزع سلاح الحلفاء من أيدي المقاومة، ومن شراء البيئة الحاضنة لها داخل طوائف وأحزاب لبنانية، ليحصرها بطائفة واحدة وبعض الشرفاء المحاصَرين بدورهم من داخل طوائفهم.
اليوم، تطبق حلقة الحصار على المقاومة من الداخل كما من الخارج: الضغوط السياسية، والاغتيالات، والقصف، والقرارات الدولية، وبيانات بعض “المتلبننين الجدد”، كلّها تشكّل جزءًا من خطة متكاملة لتجريد المقاومة من شرعيتها الرسمية، والإبقاء عليها فقط تحت مظلّة شرعية دينية وإنسانية للدفاع عن النفس.
المقاومة اليوم تواجه الحرب من كل الجهات: من الحلفاء، والخصوم، والأعداء. كما كان الحال مع الإمام موسى الصدر، الذي استُهدِف من السلطة، ومن قوى وطنية، ومن المقاومة الفلسطينية، ومن إسرائيل والشاه وبعض العرب. فكانت جبهة متكاملة لاختطافه، وقتل مشروعه. واليوم، في آب – بعد 47 عامًا – يعاد السيناريو: جبهة من الحلفاء والخصوم والسلطة والعدو… تحاول اختطاف المقاومة أو تصفيتها.
لكننا نؤمن أن المشروع المقاوم سيبقى، برعاية الله وإرادة أهله الشجعان، كما بقي بعد اختطاف الإمام الصدر. فالله لن يذل عباده الصالحين، مهما كانت التضحيات والدماء.
إن مسؤولية قوى المقاومة اليوم، أن تُراجع منهجها في التحالفات والقرارات السياسية، وتتجاوز معادلة “رهن الوطن من أجل حماية الأشخاص”. فالمناصب يجب أن تكون في خدمة الوطن والقضية، وليس العكس.
لقد أثبتت التجربة أن الرهان على الأشخاص وعهودهم خاسر، فبعضهم يمسك الخنجر الذي منحته له المقاومة للدفاع، ويطعنها في الظهر… ليتخلّص من تاريخه ووعوده وديونه.
أدعو الله أن تستفيد المقاومة، بحكمتها وعقلانيتها، من هذه التجارب، وأن تُصحّح مسار تحالفاتها، لما فيه خير لبنان والمقاومة وأهلها…
لكنني، للأسف… لست متفائلًا.
