الإمام الصدر شمس تُشرق على المقاومين وطلاب الحرية/ غسان همداني
لم يكن الإمام السيد موسى الصدر زعيماً يعمل في السياسة من أجل السياسة، أو يرفع شعارات براقة ليبهر بها عيون الجماهير او يأسر عواطفهم، ولم يكن رجلاً انتهازياً يتاجر بقضايا الناس من أجل منصب او كرسي، بل كان مجاهداً في سبيل الدفاع عن المحرومين والمستضعفين والمعذبين، رأسماله الوحيد ايمانه بالله، وثقة الناس به والتي اعتبرها “أمانة لديني وربي “.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يقف الزي الديني حائلاً دون قيام الإمام الصدر بهذا الدور، مصرحـاً ” انني كرجل دين، حملاتي تتحدد من خلال رسالتي وهي الدفاع عن الانسان المحروم المعذب “، مؤكداً ان دوره لا يقتصر على الصلاة في المساجد، او على الجنائز، أو في عقد القران، أو الوعظ الديني على المنابر، لا بل كان يرى ” أن ما أسعى اليه هو من ضمن مسؤولياتي الدينية، وإن اهتمامي بتحسين أوضاع الناس من صميم مهمتي ورسالتي .”
لقد نذر الإمام الصدر نفسه من أجل القضية التي آمن بها، قضية الإنسان، كرامة الإنسان، حرية الإنسان، مسخراً كل طاقاته في سبيل خدمته ورفع مستواه: المادي، والفكري، والمعنوي، والعلمي، معتبراً ان ” سعادة الناس، لا شكرهم، هي شبابي وراحتي وصحتي “.
رفع الإمام الصدر صوته منادياً بمطالب الناس، متبنياً قضاياهم، رافضاً السكوت عن اخطاء الحكام، أو الخضوع لمنطق القوة، معلناً عدم رضاه أن: ” يتحول الى شيطان اخرس، فهو مناضل مع الناس ومن أجلهم “، ولأن المسؤولين صموا آذانهم عن سماع شكاوى الناس، ولأن المسؤولين لا يفهمون سوى لغة العنف والتهديد، ولأن الحكام تخلوا عن شعوبهم، قرر الإمام الصدر ان يكون ” ضمير هذا الشعب، يصرخ في وجه المسؤولين، يقض مضاجعهم، ما دام هناك محروم واحد، أو قطعة أرض مهملة”.
رفض الإمام الصدر المساومة على قضايا الناس، أو المقايضة على حقوقهم من أجل منصب أو مركز، أو مصلحة خاصة، لأنه اعتبر أن قربه من الناس رصيده الحقيقي، وأن محبة الناس هي رأسماله، مخاطباً الناس” مكاني بينكم، عرشي قلبكم، ثورتي يدكم، حارسي عيونكم، مشاريعي تُنفذ بواسطتكم، مجدي اجتماعكم، ولائي ولائكم، عدوي عدوكم، صديقي صديقكم، يدي يدكم “.
وقف الإمام الصدر بقوة وصلابة في وجه الضغوطات الكبيرة التي تعرض لها كي يتراجع عن ثورته من أجل المستضعفين، وعن تحركه من أجل مطالب المحرومين، كما وقف الإمام الصدر أمام المحاولات الكثيرة الهادفة إلى تحجيم دوره، ورسم دور له مغايراً للدور الذي ارتضاه، معلناً ” ليس هناك أحد يقدر أن يحدد لي دوراً، فدوري محدد من الله سبحانه وتعالى، ومن تاريخ وطني وديني ومذهبي، وسيبقى “.
لم تقتصر حركة الإمام الصدر على أبناء دينه او طائفته، او منطقته، لا بل كان يرى أن من واجبه الدفاع عن المحرومين، كل المحرومين من أي منطقة أو من اي طائفة، غايته خدمة الإنسان، دون النظر إلى لونه، أو جنسه، أو عرقه، أو دينه، قائلاً ” سأبقى أصرخ في وجه المسؤولين، وأقض مضاجعهم، وأوبخ ضمائرهم إذا كان لديهم ضمائر، وأقول وأنصح طالما أن هناك انساناً واحداً شيعياً أو غير شيعي مظلوماً في هذا البلد، وطالما أن هناك شبراً واحداً من هذه الأرض مهملاً ومظلوماً، وطالما أن هناك طغياناً لفئة على فئة في هذا البلد”.
أعلن الإمام الصدر، وعلى طريقة جده الإمام الحسين(ع) أنه ثائر من أجل تخليص الإنسان من الفقر والإهمال والحرمان، التصدي للطاغوت، وآلهة الأرض، والمفسدين فيها، حاثاً الناس على المضي قدماً معه في ثورته، معلنـاً ” انني امامكم مشيتم معي طلبتم التاريخ، سكتم سكت فيكم التاريخ “، مصرحاً عن مضيه في طريق الحق، حتى لو قل ناصروه وحتى لو تخاذل الناس عنه، متأسياً بمن سلف من الأنبياء، والائمة، والقادة، الذين لم يجدوا ناصراً او معيناً، وهم يحملون على أكتافهم قضايا محقة، فيقول:” إذا تخاذل الناس وغشوا فلست اول واحد في التاريخ يسقط ” .
هذه النبرة ، هذا الصوت الراعد، هذه النفس الأبية تتكرر وبوتيرة أعلى عند الكلام عن الوطن الذي ” حبه من الايمان ” والذي يُمثل عند الإمام الصدر” أبعاد الانسان وارتباطه بماضيه وبمستقبله ” ، فيعلن أن عزة الإنسان من عزة وطنه، وشرف الانسان من شرف وطنه، وكرامة الإنسان من كرامة وطنه، فلا يقبل” ان يكون عظيماً ووطنه ذليلاً “، فكيف اذا كان هذا الوطن هو لبنان الذي اعتبره الإمام الصدر أنه “ذو واقع حضاري “، فلبنان هبة من الله وجنته على الأرض، ولأنه ليس ملكاً لطائفة أو حزب أو فئة، نذر الامام نفسه من أجل هذا الوطن واضعاً نفسه في خدمة” لبنان وفي صيانة هذا الوطن لأن هذا الوطن ليس ملكاً لأحد، الوطن للجميع “.
حذر الإمام الصدر من أن الظلم الاجتماعي، والانماء غير المتوازن، والاهمال المقصود، وتقاعس الدولة عن القيام بواجباتها، وتنامي شعور الكراهية للنظام، والغربة في الوطن، قد يؤدي الى ما لا تحمد عقباه، مما يهدد سلامة لبنان، وكيانه ووجوده، لذلك يقول ” انا أخاف من الانفجار، بدي أصرخ، أحتج، أقلل أدب حتى يستحوا، ويشوفوا شوفي بالدنيا “.
تعرض الإمام الصدر الى حملات افتراء وتجن، من كل الاطراف التي كانت ترى في حركة الامام الصدر، وفي خطاباته، ومواقفه خروجاً على السيناريو الموضوع، وفضحاً لكل الأساليب المتبعة من قبل الأحزاب، كل الأحزاب، سواء كانت يسارية أو يمينية، كما وجهت للإمام نصائح بالمسايرة والمهادنة، الا أن هذه الحملات وهذه النصائح جوبهت بصلابة موقف الإمام الصدر، وتمسكه في الدفاع عن لبنان، ومستقبل لبنان، فيقول، ” يريدون منا الخنوع انا مش قادر أكون خانعاً، يريدون منا الاستسلام مش قادر أستسلم، يريدون مسح جوخ مش قادر أمسح جوخ، لذلك أنفجر أحكي وأطلب الخير للبنان “.
لقد كان الإمام الصدر مستعداً لدفع حياته في سبيل المحرومين وفي سبيل كرامة الوطن، لذلك يقول: ” إنني لا أملك إلا نفسي ولذلك وضعتها في الميدان، أُقدمها قرباناً للوطن ولحياة المواطنين”، وهو كان يعلم علم اليقين ما تحيكه له بعض الدوائر في الخفاء، من مؤامرات ودسائس وصلت، كما صرح، الى حد ” التآمر على حياتي” ،الا أن خوفه لم يكن من الحكام ومن الطغاة، ولا من خفافيش الليل، بل من تقصيره في خدمة المحرومين والمستضعفين فيقول: ” أنا لا أخشى بشراً، لكن أخاف كثيراً من الله سبحانه وتعالى، وأخاف كذلك من التقصير في مهمتي”.
على عكس السياسيين، لم يقدم الإمام نفسه إلهاً يُعبد، أو زعيماً يُطاع، ولم يتكلم عن نفسه بصيغة التفخيم أو التبجيل، بل قدم نفسه خادماً متواضعاً في سبيل الناس، ومناضلاً من أجل راحتهم، ومقاوماً دفاعاً عن الوطن في وجه الأخطار التي تحيق به من الداخل والخارج، مقدماً أُنموذجاً رائعاً ومشرفاً للقائد الذي يكون الى جانب شعبه، مسؤولاً أمامه لا عنه، مما ألّب عليه كل الطغاة والمتضررين، فتضافرت جهودهم، وتكاتفت أيديهم، وتناسوا مشاكلهم وخصوماتهم وعداوتهم، واتفقوا على تغييبه من أجل القضاء على حركته، وحفاظاً على مكانتهم ومصالحهم ولتمرير مؤامراتهم، لكنهــم ” مكروا ومكر الله والله خير الماكرين”، وظلت شمس الإمام تشرق بنورها على كل طالب للحرية ، ومقاوم من اجل الحق والكرامة، وتحرق بلهيبها كل الطغاة والخانعين والمتآمرين.
