في صيف الملفات السيادية لم يعد النقاش حول ” جمعية القرض الحسن” مسألة مالية وحسب ، بل وضع الدولة اللبنانية أمام خيار حاسم بين استمرار شبكات التمويل الموازي وتعزيز السيادة النقدية، رغم ما شكلته هذه الجمعية من خيار مالي بديل مسّ عمق الثقة بالمصارف التقليدية منذ بداية الأزمة المالية عام ٢٠١٩ .
حجم وانتشار الجمعية
منذ تأسيسها عام ١٩٨٧ قدمت جمعية القرض الحسن قروضا”( مضمونة بالذهب أو بضمانات خاصة) بقيمة تتجاوز ٤ مليارات دولار وشملت أكثر من ١.٩ مليون مستفيد من خدماتها المالية حتى عام ٢٠٢٥ عبر ٣٠ فرعا” ومارست نشاطها بآنتظام خارج إطار الرقابة المصرفية لا سيما في ظل تآكل النظام المصرفي الرسمي.
من العقوبات إلى الحظر الداخلي ( نقطة التحول الكبرى)
في ١٥ يوليو ٢٠٢٥ أصدر مصرف لبنان تعميما” يحظر على المؤسسات المالية المرخصة التعامل المباشر أو غير المباشر مع جمعية القرض الحسن ،هذه الخطوة تأتي بعد حزمة عقوبات طالت أبرز مسؤولي الجمعية في ٣ يوليو بتهمة دعم أنشطة حزب الله عبر نظام مالي ظلي . هذا الإجراء يأتي إستجابة لضغوط دولية متزايدة في إطار الحرب على تجفيف منابع الإرهاب .
الإصلاحات المالية الأوسع في ٢٠٢٥
لم يقتصر المشهد على القرض الحسن. ففي أبريل 2025، أقر مجلس الوزراء اللبناني قانون إصلاح شامل للقطاع المصرفي يتألف من 39 بنداً، يشمل:
. حماية صغار المودعين وضمان وصولهم إلى أموالهم.
. إعادة هيكلة المصارف المتعثرة.
. تعديل قانون السرية المصرفية بحيث يشمل الحسابات من عام 2015 بأثر رجعي.
. إلتزام معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هذه الخطوات جاءت إستجابة لضغوط صندوق النقد الدولي الذي أنهى بعثة تفاوضية إلى بيروت في يونيو 2025 مؤكداً على ضرورة تطبيق إصلاحات فعلية قبل صرف أي دعم مالي خارجي. كما ربط الاتحاد الأوروبي الإفراج عن مساعدات بقيمة 500 مليون يورو بتنفيذ هذه الشروط الإصلاحية.
في هذا السياق أقرّ مجلس الوزراء تعديلات مهمة على قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (رقم 44/2015)، تهدف لتحسين الامتثال للمعايير الدولية ولخروج لبنان من “اللائحة الرمادية” .
من بين أبرز هذه التعديلات:
- تمكين وزارة الداخلية والبلديات من فرض عقوبات على الجمعيات غير الهادفة للربح التي تُخالف الإجراءات المعتمدة، بما في ذلك إمكانية إيقاف جمعية القرض الحسن عن العمل .
- توسيع صلاحيات السجل التجاري لمعاقبة الشركات المتورطة في عمليات تبييض أموال مثل إخفاء الهوية الحقيقية للمستفيدين أو تأخير الإفصاح عن المعلومات .
- منح الجهات المعنية بالأوقاف صلاحية مراقبة وتمسيك الأموال لمنع استغلالها في عمليات مالية غير قانونية .
- فرض عقوبات رادعة تشمل المحاسبين والمحامين وكتّاب العدل في حال مساهمتهم في تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب .
- عقوبات مشددة تشمل السجن من 3 إلى 7 سنوات وغرامات قد تصل إلى ضعف المبلغ موضوع الجرم لمن يشارك في عمليات تبييض الأموال .
يشكّل تعميم مصرف لبنان بشأن منع التعامل مع القرض الحسن، بالتوازي مع قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، خطوة استراتيجية لتمكين الدولة من بسط سيادتها الكاملة ماليًا وأمنيًا معًا؛ إذ إن ضبط حركة التمويل يوازي في أهميته ضبط السلاح، بما يقطع الطريق أمام قيام سلطات موازية ويكرّس إحتكار الدولة للقرارين المالي والعسكري في آن واحد.
من التحدي إلى الفرصة
يطرح ملف القرض الحسن اليوم سؤالاً محورياً: كيف يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي؟
- الإعتراف بالواقع وتنظيمه : لا يمكن إنكار أن آلاف العائلات اللبنانية تعتمد على خدمات القرض الحسن. بدلاً من تركها تعمل في الظل، يمكن إيجاد بدائل لإدماجها تدريجياً ضمن الإطار القانوني عبر تراخيص أو شراكات.
- حماية المودعين: يجب وضع خطة واضحة لحماية أموال المقترضين في هذه الجمعية، خصوصاً في ظل احتمالات الملاحقة الدولية أو تجميد الأصول.
- تعزيز الشفافية : إن الإصلاحات في قانون السرية المصرفية، وربط المساعدات الدولية بالحوكمة، تفتح الباب أمام إدماج هذه المؤسسات في النظام المالي وفق معايير الشفافية والمساءلة.
- الاستفادة من اللحظة السياسية : قرار مصرف لبنان في يوليو 2025 يمثل سابقة مهمة، يمكن البناء عليها لتعزيز سلطة الدولة على النشاط المالي غير الرسمي، وإظهار التزامها أمام صندوق النقد والمجتمع الدولي.
إن مسؤولية مصرف لبنان لا تقتصر على حماية النظام المالي من الانهيارات فحسب، بل أيضًا على إدارة التوازن بين الواقع المالي الموازي والمصلحة الوطنية.
وعليه، فإن خيار إعادة الهيكلة والإدماج وتشديد الرقابة يبدو أكثر واقعية وفعالية من سحب الترخيص، لأنه:
- يحافظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.
- يُعيد جزءًا من الاقتصاد الموازي إلى الرقابة الرسمية.
- يُعزز السيادة النقدية ويحدّ من تغوّل اقتصاد الظل.
لم يعد القرض الحسن مجرد مؤسسة اجتماعية تقدم قروضًا وتسهيلات، بل أصبح رمزًا للصراع على السيادة النقدية بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي، باعتباره أحد أدوات التمويل لحزب الله. ومع ذلك، يمكن للحظر على التعامل معه أن يكون فرصة لإصلاح المنظومة المالية، شرط دمج الاقتصاد غير الرسمي ضمن الإطار القانوني، وضمان حقوق العملاء، واستعادة ثقة اللبنانيين بالمصارف الرسمية، بما يرسخ سيادة نقدية أكثر استقرارًا وثقة مجتمعية بالقطاع المالي.
ولا يخفى أن شرعنة الدولة المركزية لدولة الظل في لبنان، التي رسّخها الفساد المتأصّل ، أدت إلى تحول المواطنة من علاقة قانونية شاملة مع الدولة إلى مواطنة جزئية وانتقائية، ما أضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية. ويظل القرض الحسن، في هذا السياق، نموذجًا يمزج بين البُعد الاقتصادي والمشروع السياسي-الأمني، ما يزيد حساسية دوره على مستوى السيادة النقدية والأمن المالي.
يبقى السؤال الحيوي: “في الوقت الذي يسعى فيه مصرف لبنان إلى ضبط التمويل الموازي، لماذا لم يتمكن النظام المصرفي من حماية ودائع اللبنانيين من الخسائر والانكماش؟”
