الإعلاميون: ثروة لبنان الإنسانية في زمن الانهيار القيمي والإنحلال الأخلاقي/ د. علي احمد خليفة
في بلدٍ أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية والمالية، وأُفقِر من موارده الطبيعية حتى بات عاجزًا عن استثمار موقعه ومقدراته، يظل لبنان غنيًا بثروة لا تُقاس بالأرقام ولا تُخزَّن في المصارف: ثروته الإنسانية المتمثلة بالإعلاميين.
وللذاكرة فإنه منذ بدايات القرن العشرين، شكّل لبنان منبرًا للصحافة الحرة والإعلام المستقل في العالم العربي. جرائد وإذاعات وتلفزيونات انطلقت من بيروت لتخاطب الوجدان العربي، وأسماء إعلامية لبنانية لمع نجمها في كبريات العواصم الإعلامية. لقد كان الإعلامي اللبناني سفيرًا للبنان في الداخل والخارج، وصوتًا للحريات، ومنارةً للفكر النقدي في منطقة يغلب عليها التقييد والسيطرة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ولمن لا يعرف إن هذه التجربة جعلت من الإعلاميين اللبنانيين رأسمالاً بشريًا وإنسانيًا لا يقل قيمة عن أي ثروة نفطية أو معدنية او غيرها. فهم لم يكتفوا بنقل الأخبار وصناعة الرأي العام، بل أسهموا في حماية حرية التعبير، وفتحوا نوافذ حوار للتواصل بين الشعوب، وساعدوا على إبراز صورة لبنان كبلد ثقافة وتعددية وانفتاح.
واليوم، وبينما يترنح لبنان تحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية وازماتها، ما زال الإعلاميون خط الدفاع الأول عن الحقيقة، سواء في إعلاء القضايا المحقة، او كشف الفساد، أو نقل معاناة الناس، ويذكّرون بأن لبنان لم يفقد بعد أهم ثرواته التي هي ثروته الإنسانية.
فالإعلامي اللبناني ليس مجرد ناقل للحدث، بل هو شاهدٌ على التاريخ وصانعٌ له في آن، وإن الحفاظ على هذه الثروة يتطلب حماية حرية الصحافة وصون كرامة الصحفيين، وتأمين بيئة آمنة للإعلاميين بعيدًا عن القمع والترهيب اللأخلاقي وعن الإهانات التي تمس كرامتهم، لأن مستقبل لبنان لن يُبنى بالمال وحده او بمساعدات مشروطة تأخذ بماء الوجه، او بالوعود المعسولة بالإزدهار لأخذ لبنان رهينة مكبلة بالأغلال تعرض في اسواق النخاسة، بل بالعقول الحرة والأصوات الجريئة التي تكتب وتتكلم بضمير وطني حي.
وللإشارة نقول انه ينظر إلى لبنان تاريخيًا بوصفه منارة إعلامية وثقافية وحضارية في العالم العربي، فيينما افتقر البلد إلى الثروات الطبيعية الكبرى، عوَّض ذلك بثروة بشرية نوعية مثلتها النخب الفكرية والإعلامية التي صنعت حضورًا للبنان يفوق حجمه الجغرافي والسياسي، رسم فيه الإعلاميون اللبنانييون صورة لبنان بلداً للحرية والتعددية والانفتاح، مما جعلهم ثروة إنسانية وطنية وقوة ناعمة فاعلة في الداخل والخارج.
فالإعلاميون ليسوا مجرد ناقلي اخبار بل حماة للحرية وصنَّاع صورة لبنان في الذكرة العربية والدولية.
وفي زمن الإنهيار والتخلي والخذلان يصبح الحفاظ على هذه الثروة مسؤولية وطنية، لأن لبنان قد يفقد اقتصاده ومؤسساته، لكن إن فقد إعلامييه خسر صوته وصورته ودوره الحضاري.
ويأتي التطاول على الإعلاميين والإساءة إليهم في هذا المجال كمسار ممنهج لضرب قيم لبنان الحضارية والإنسانية، بعد ضرب مقوماته البنيوية وفرض شروط “الإذعان”، وذلك من خلال توجيه الإهانة لكرامة الجسم الإعلامي من على منبر رمز وحدة الدولة ومؤسساتها، بما يمس بمكانة الصحافة الحرة التي طالما كانت وما زالت وجه لبنان الحضاري أمام العالم وهي مسألة باتت تهدد مستقبل القيم والحريات في هذا البلد الذي يتنفس حرية وسيادة وعزة وكرامة.
إن الصعود إلى الحرية وحفظ الوطن وحماية السيادة الوطنية تبدأ من جرأة الصحافة وتعملقها في وجه المشاريع المشبوهة التي يساق فيها لبنان إلى فقد دوره وهويته وفرض الإنصياع عليه إلى المفوض من المالك الجديد الذي يخاطب فيها وفق لغة التعاطي في نظام المزرعة!!!
فهل نحن نشهد على سقوط الدبلوماسية لصالح نظام المزرعة؟
