لم يكن تصريح باراك في القصر الجمهوري، حين وصف الصحافيين اللبنانيين بأن سلوكهم ” فوضويchaotic, حيواني animalistic”، مجرّد انفعال لحظي أو زلة لسان، بل يمكن قراءته كنافذة تكشف عن البنية النفسية التي تحكم سلوكه كـ “ضيف قوي” يرى نفسه في موقع السيطرة.
1. الدافع النفسي: التهديد الإدراكي:
وفقًا لنظرية الإحباط – العدوان (Frustration–Aggression Hypothesis) لــ Dollard et al. (1939)، فإن الفرد حين يشعر بأن النظام الذي يريد فرضه مهدَّد، يلجأ إلى سلوك عدواني لفظي أو جسدي. باراك وجد نفسه أمام قاعة إعلامية لا تخضع للنمط الغربي من “الأسئلة المنظمة”، فقرأ ذلك كفوضى تُهدّد صورته وصورة الوفد الأميركي. استدعاء كلمة “animalistic” يعكس إسقاطًا لا شعوريًا على الآخر: “أنتم تمثلون خطرًا على هيبة الموقف”، فكان الرد بالانتقاص اللفظي.
2. العقلية السلطوية والاستعلاء:
يمكن فهم ما جرى أيضًا عبر نظرية الشخصية السلطوية لـ Adorno (1950)، التي تشير إلى أن بعض الأفراد ذوي النزعة السلطوية يتعاملون مع أي خروج عن “النظام” باعتباره تهديدًا شخصيًا. باراك لم يرَ الصحافيين شركاء في العملية الإعلامية، بل “رعايا” يُفترض أن يلتزموا بقواعده، وعندما لم يحدث ذلك، ظهر خطاب استعلائي يطالبهم بالهدوء و”التصرف كالمتحضرين”.
3. الإطار الثقافي والآخر المستعمَر
من زاوية نظرية إدوارد سعيد عن الاستشراق، فإن وصف الصحافة اللبنانية بـ”animalistic” يعكس صورة نمطية كامنة في اللاوعي السياسي الغربي: الآخر الشرقي/العربي يُختزل في الفوضى، الغريزة، اللاعقلانية. بهذا المعنى، كلمات باراك لم تكن مجرد غضب، بل إعادة إنتاج لخطاب استعلائي يعتبر أن “الحضارة” حكر على الذات الغربية.
4. الانفعال كإستراتيجية دفاعية
وفقًا لعلم النفس الاجتماعي، يستعمل الأفراد أحيانًا آليات الدفاع (Defense Mechanisms) لإخفاء ضعفهم. باراك لم يحتمل مشهد القاعة الصاخبة، فحوّل توتره الداخلي إلى تهديد خارجي: “إذا استمر هذا، سنغادر”. إنها محاولة لاستعادة السيطرة عبر التهديد، بدل الانخراط في الحوار.
كلمات باراك لم تكن مجرد انفعال شخصي، بل نتاج:
شعور بالتهديد (الإحباط → العدوان).
عقلية سلطوية لا تحتمل الفوضى.
استعلاء ثقافي يستبطن صورة الآخر.
آليات دفاعية لتغطية ضعف الموقف.
لذلك، ما جرى لا يعبّر فقط عن حادثة في قاعة صحافية، بل عن عقلية سياسية – نفسية ترى أن الهيمنة لا تكتمل إلا بإخضاع الكلمة الحرّة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
