حسن فقيه | المدن
الإعمار هو الهاجس الأكبر لدى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ويتقدّم في سلّم أولوياته على أي قضية أخرى. الرجل الذي طالما اعتبره الجنوبيون ضمانة حقيقية لنهضة منطقتهم، لا يزال يرى في إعادة إعمار الجنوب بعد الحرب الأخيرة واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل.
فمنذ أن قال عبارته الشهيرة يومًا: “أنا عم بصنع من الضعف قوة، لزفّتلو طريق لابن الجنوب، لعمرلو مدرسة، لعمرلو مستشفى”، تحوّل الجنوب في عهده إلى واحدة من أكثر المناطق حيوية في لبنان، قبل أن تأتي حرب تشرين الأول 2023 لتعيد مشهد الدمار والتهجير وتفرض واقعًا مأسويًا جديدًا على الحدود الجنوبية.
اليوم، وبعد عامٍ من الدمار الهائل الذي لحق بالمناطق الحدودية، وما خلّفه من أضرار جسيمة في الأبنية والبنى التحتية والمؤسسات، يجد الرئيس بري نفسه أمام تحدٍّ جديد: إعادة الحياة إلى الجنوب. فالمناطق التي “نُسفت عن بكرة أبيها” تحتاج إلى ورشة إعمار ضخمة، في ظلّ أحاديث تتردّد في الأروقة عن مشاريع “منطقة صناعية” بطابع أمني، تشبه فكرة “المنطقة العازلة”، ما يعني عمليًا إبعاد سكان القرى الحدودية عن أرضهم.
وتؤكد مصادر مقرّبة من الرئيس بري لـ”المدن” أنّ كلّ هذه الهواجس تسكن ذهنه، إذ يكرّر في لقاءاته القول إنّ “الإعمار أولوية”، وأنّ التقاعس الحكومي عن التعامل بجدّية مع هذا الملف لم يعد مقبولًا. وهنا نعود إلى الخلاف الذي نشب مؤخرًا بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام على خلفية ما يعتبره بري “تقصيرًا حكوميًا ” في معالجة هذا الملف الحيوي.
غير أنّ بري ـ وفق المصادر نفسها ـ يرفض هذا الطرح رفضًا قاطعًا، ويعتبره مساسًا بسيادة لبنان وهويته الجنوبية. فـ”الجنوب ليس منطقة عازلة ولا مجال للمساومة في هذا الأمر”، تقول المصادر، مضيفةً أن عقد اللقاء في قلب الجنوب هو بحدّ ذاته تأكيد رمزي وفعلي على التمسّك بالأرض ورفض أي مشروع خارجي يهدّدها.
بري: لا مقايضة على عودة الجنوبيين
وتشدّد المصادر على أنّ بري يعتبر عودة الجنوبيين إلى قراهم “قرارًا لا يخضع للنقاش”، وهو على قناعة تامة بأنّ هذه العودة تمثّل حقًّا طبيعيًا لا يمكن ربطه بأيّ تسويات أو مفاوضات.
فبعد عامٍ من الانتظار دون خطوات عملية، يرى بري أنّ الوقت حان لوضع حدّ للتأجيل والمماطلة، وأنّ ملف الإعمار يجب أن يُنتزع من “بازار السياسة والمفاوضات الدولية”، لأنّه ببساطة حقّ مكتسب لمن قدّموا دماءهم في سبيل الوطن.
وتضيف المصادر أنّ بري يدرك أنّ بعض الأطراف الخارجية تحاول ربط ملف الإعمار بملف سلاح “حزب الله”، لكنّه يرفض هذا الربط رفضًا مطلقًا، ويتمسّك بضرورة فصل القضايا الإنسانية والاجتماعية عن الملفات السياسية والعسكرية.
مع هذا الحراك الجديد، تدخل مرحلة إعادة الإعمار منعطفًا جديدًا، ليس من بوابة الحكومة، بل من بوابة الرئاسة الثانية وما تمثّله من ثقل سياسي وشعبي في الجنوب.
فاللقاء الذي يستعد له الرئيس بري في منطقة الرادار (المصيلح) لا يُعدّ مجرّد اجتماع إداري، بل انطلاقة فعلية لمسار وطني شامل قد يعيد الأمل إلى الجنوب، ويفتح صفحة جديدة في التعامل مع نتائج الحرب.
ويبقى السؤال: هل سينجح بري في كسر جدار صمت الإعمار وإعادة الزخم إلى ملفّ طال انتظاره؟
الأكيد أنّ خطوته المرتقبة يوم الثلاثاء لن تمرّ كحدثٍ عابر، بل ستكون محطة سياسية وإنمائية مفصلية، قد تضع الجنوب على طريق الأمل من جديد، في زمنٍ يغلب عليه الجمود والانتظار.
