الحزب في زمن الحسابات الصعبة: بين الميدان والطاولة/ آية يوسف المسلماني
في زمنٍ يختلط فيه صمت السياسة بصخب الميدان، تبدو المنطقة كمن يسير على حافة سيف، لا يُدرى إن كان الضوء الآتي من بعيد هدنة… أم شرارة أولى لحربٍ كبرى.
يبدو أن حزب الله يعيش اليوم مرحلة مفصلية، تتداخل فيها نيران الحرب ببرودة الحسابات السياسية.
فالحزب الذي اعتاد أن يكون في قلب العاصفة، بدأ يدرك أن زمن الميدان المطلق يفسح المجال لزمنٍ آخر، أكثر تعقيداً وأشدّ ارتباطاً بلغة الدبلوماسية والمصالح المتشابكة.
منذ اندلاع حرب غزة، تغيّر وجه المنطقة.
الحرب لم تعد مجرّد مواجهة بين مقاومة محاصرة وجيشٍ متغطرس، بل أصبحت مرآة لصراعٍ أوسع يتجاوز حدود فلسطين، يمتد من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد وصنعاء، ويتداخل مع حسابات واشنطن وبكين وموسكو.
في هذا السياق، بدا حزب الله جزءاً من معادلة إقليمية معقّدة، يحاول من خلالها الموازنة بين التمسّك بخيار المقاومة والانفتاح على مسارات سياسية قد تفتح له أبواب الخروج من وديان الحرب دون خسارة موقعه في معادلة الردع.
في خطابه الأخير، أظهر الشيخ نعيم قاسم قدراً من الواقعية السياسية، حين تحدّث عن “تثبيت قواعد الاشتباك” لا عن توسيعها.
الحزب لا يريد الحرب، لكنه لا يقبل بالانسحاب أو الانكسار.
يمدّ يده بحذر إلى حبال الدبلوماسية، محاولاً أن يظلّ فاعلاً في المعادلة دون أن يتحول إلى عبء داخلي على لبنان المأزوم.
على الجانب الآخر، تعيش إسرائيل نشوة القوة بعد حرب غزة، لكنها تخوضها وسط ضباب استراتيجي كثيف.
بنيامين نتنياهو يقدّم نفسه كأنه بن غوريون جديد، يسعى لإعادة رسم خرائط الردع في المنطقة، فيما واشنطن تراقب بقلق حدود المغامرة الإسرائيلية، مدركة أن الحرب المفتوحة قد تشعل ما هو أبعد من جبهة الجنوب اللبناني.
وفي خضم هذا المشهد، تشهد المنطقة تصاعداً خطيراً في التحذيرات والرسائل المتبادلة، كان آخرها اتصال تحذيري وجّهته واشنطن إلى بغداد، حمل تهديداً مبطّناً بإمكانية تنفيذ ضربات عسكرية في حال تدخّل أي من الفصائل العراقية المدعومة من إيران في التطورات الجارية.
تأتي هذه التحذيرات فيما يعيش العراق مرحلة سياسية حساسة، وهو يستعد لخوض انتخابات برلمانية في الحادي عشر من هذا الشهر، وسط انقسامات حادّة داخل القوى الشيعية والسنية والكردية، ما يجعل البلاد في وضع داخلي هشّ لا يحتمل أي اهتزاز أمني أو تصعيد خارجي.
الرسالة الأميركية، وفق ما تسرّب من أجواء اللقاءات، لا تقتصر على العراق وحده، بل تمتد إلى بقية ساحات التوتر في المنطقة، من لبنان إلى اليمن وإيران.
فالتقديرات تشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تضعان “محور المقاومة” تحت المجهر، وتستعدّان لردّ محتمل على أي تصعيد ضد مصالحهما.
في المقابل، تبدو طهران والفصائل المتحالفة معها في حالة استنفار قصوى، مؤكدة أن أي استهداف لقواعدها أو حلفائها سيقابل برد واسع النطاق.
ومع ذلك، فإن التحركات الأميركية الأخيرة لا تبدو قائمة على منطق “الإنذار النهائي”، بل تحمل مؤشرات مختلفة هذه المرة.
فواشنطن، التي جرّبت طويلاً سياسة الضغط القصوى، تبدو وكأنها تعيد فتح الأبواب الموصدة أمام التفاوض مع طهران.
هل أدركت الإدارة الأميركية أخيراً أن إيران لا تُقاد بالتهديد، ولا تُرغم بالعقوبات، وأن أي مواجهة مفتوحة لن تخدم مصالحها ولا استقرار المنطقة؟
من هنا، يمكن قراءة التحركات الأميركية الأخيرة، سواء عبر رسائل غير مباشرة أو اتصالات مع أطراف إقليمية، على أنها محاولة لإحياء لغة الدبلوماسية بعد اختبارٍ طويل لسياسة العصا.
وهكذا يجد العراق نفسه مجدداً في قلب العاصفة، بين ضغوط أميركية تطالبه بضبط الفصائل، وضغوط داخلية تهدّد تماسكه، وتحولات إقليمية قد تعيد رسم خطوط التماس بين واشنطن وطهران.
وفي خلفية هذا المشهد، يقف حزب الله مترقباً.
فهو يعرف أن أي تبدّل في علاقة واشنطن بطهران، أو أي تغيير في موازين القوى في العراق، سيترك أثره المباشر على لبنان.
لذلك يبدو الحزب اليوم أكثر حذراً، وأكثر ميلاً إلى خطاب سياسي واقعي، يحاول من خلاله حماية صورته كمقاومة من جهة، وموقعه كفاعل لبناني من جهة أخرى.
ربما لم يعد زمن الانتصارات السريعة ممكناً، لكنّ زمن القراءة الهادئة للمصالح بدأ.
فالحزب الذي خرج من وديان الحرب جريحاً، يحاول الآن أن يسير على خيطٍ رفيع بين السلاح والسياسة، بين الميدان والطاولة، بين ما يُمكن التنازل عنه وما لا يُمس.
يميل المشهد بين بياض الدبلوماسية وسواد الحرب.
والمنطقة تقف على عتبة سيناريوهين لا ثالث لهما حتى الآن:
الأول، أن تنزلق إلى مواجهة إقليمية واسعة تتشابك فيها الجبهات من غزة إلى الجنوب اللبناني مروراً بالعراق واليمن وإيران وربما أبعد، إذا ما استخدمت الولايات المتحدة صواريخ “التوماهوك” ضد روسيا، فتتحول الحرب الباردة إلى اشتعال فعلي يعيد رسم خرائط الصراع في الشرق الأوسط والعالم.
أما الثاني، فهو أن تتقدّم لغة العقل على صخب السلاح، فتنجح الدبلوماسية ولو مؤقتاً في تثبيت هدنة تُبقي المنطقة على حافة النار دون أن تسقط فيها تماماً.
بين هذين الحدّين، تُكتب ملامح الشرق الأوسط الجديد.
