ماذا لو كان النفط في البحر هو الفتيل الأساس الذي أضرم النار وأجّج الصراع اللبناني الإسرائيلي؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتح أبوابًا يتعذّر إغلاقها بسهولة. فكلّما لاحت للبنان فرصة تحقيق حلمه النفطي، وكلّما ترددت الأخبار عن ثرواتٍ كامنة تحت البحر اللبناني، اشتعلت حوله رياح السياسة والضغوطات الخارجية مجددًا. وكأن البحر، الذي حلمنا أن يكون خلاصًا، عاد ليعكس هشاشتنا وانقسامنا أكثر مما يعكس قوتنا في وحدتنا.
الإشكالية اليوم تنبع من المنطقة الاقتصادية المقترحة في جنوب لبنان، الممتدة من الناقورة إلى رميش. هناك تحليلات تشير إلى أنّ إسرائيل تسعى لتحويل هذه المنطقة إلى «منطقة عازلة» بلباس اقتصادي، تُبقي الجنوب خارج السيطرة اللبنانية الفعلية وتخضعه لتأثيرات خارجية. لبنان، الذي لم يحسم بعد تعريفه للسيادة، يجد نفسه أمام مرآة جديدة لصراعاته القديمة: بين من يرى في النفط فرصة إنقاذ وطنية، ومن يخشاه بوابةً لتدويل جديد.
ففي عام 2022 تنازل لبنان عن الخط 29 بموجب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية.
ورغم هذا الاتفاق الذي كان ليتيح للبنان الحصول على قسم من حقل كاريش، والذي تسعى إسرائيل إلى استخراج المواد الهيدروكربونية منه، لم تهدأ التحديات.
فإسرائيل لم تتوقف عن المجاهرة بتوسيع نفوذها في المنطقة، والدول الحليفة من خلفها استعدادًا لدعم مشاريع طاقة تتجاوز الحدود، ما يضع لبنان أمام ضغوطٍ متزايدة. وهنا يعود السؤال القديم بصيغة جديدة:
هل يمكن أن يكون الحياد كافيًا لردع الأطماع؟
وإذا كانت إسرائيل لا تتوقف رغم الحياد، فما جدوى هذا الخيار؟
تميل الرؤية الغربية إلى طرح الجنوب اللبناني كمشروع “منطقة اقتصادية” تحت شعار التنمية والاستقرار. سيناريو يحمل في طيّاته أملاً واعدًا؛ ففي حال تحقق الهدوء واستقرّ الوضع الأمني، ستسارع الشركات الدولية المنقّبة عن الغاز إلى العودة، ومعها رؤوس الأموال والاستثمارات. وحينها، يمكن أن يشهد الجنوب انتعاشًا واسعًا ليس في قطاع الطاقة فحسب، بل أيضًا في الزراعة والسياحة والعقار، بما يحوّله إلى نموذجٍ للتنمية الموعودة.
مبادرة تنموية نبيلة تحمل في عمقها بعدًا مقلقًا. فالمشروع، وإن غُلّف بشعارات الاستقرار، يفرغ السيادة من مضمونها الحقيقي، ويحوّل الأرض اللبنانية إلى مساحة رمادية تُدار بالمصالح الخارجية أكثر مما تُحكم بالقرار الوطني. تعيد هذه المبادرة تعريف الأمن عبر الاستثمار، والسيادة عبر الشراكة، والحدود عبر المنافع المتبادلة، لكنها في الجوهر تبقي القرار اللبناني معلّقًا بخيوطٍ لا يتحكم بها.
في المقابل، يرى عدد من الخبراء أن المنطقة الاقتصادية لا يمكن أن تكون واقعية إلا في حال إنهاء النزاع بشكلٍ نهائي واستكمال الترسيم البري، لأن «لا اقتصاد من دون سلام، ولا استثمار من دون أمن».
تلك هي المعادلة الجديدة التي تفرضها التحوّلات في الجنوب: التنمية المشروطة بالهدوء، والسيادة المعلّقة على حدودٍ لم تُرسم بعد
من الناحية التنموية، تبدو الفكرة مغرية: منطقة اقتصادية يمكن أن تُحرّك الاستثمار وتخلق فرص عمل وتنعش الزراعة والسياحة في بلدٍ أنهكه الانقسام والانهيار المالي. حتى منطقة الناقورة تحديدًا تحمل إمكانات هائلة لتكون وجهة سياحية متقدمة لو تحقق الاستقرار، فهي بوابة البحر والجنوب معًا.
لكن، كيف يمكن الحديث عن الاستثمار فيما الطيران الحربي يخترق الأجواء يوميًا والناس يُهجّرون من منازلهم؟
إذًا، لا يمكن القفز فوق الإشكالية الجوهرية: من يضمن ألّا تتحول المنطقة الاقتصادية إلى منطقة عازلة جديدة؟ من يضمن ألّا يُستخدم الشعار الاقتصادي كغطاء لتثبيت واقع تقسيمي ناعم؟
ومع ذلك، يبقى الحياد محاولة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج. ليس لأنه يردع الأطماع، بل لأنه يعيد للبنان نفسه ولو مؤقتًا. فالبلد الذي لا يملك مواجهة عسكرية شاملة، يمكنه أن يمارس مواجهة سياسية ذكية بالتمسك بحقوقه القانونية، وبإعادة بناء مؤسساته التي تفككت تحت وطأة الطائفية والفساد.
الحياد هنا لا يعني انسحابًا، بل أسلوب مقاومة هادئة، تُدير التوتر بدل أن تنجرّ إليه.
لكنّ نقطة الضعف الكبرى تبقى داخلية. فلبنان ما زال عاجزًا عن التوافق على هوية سياسية واحدة وعن تعريف واضح للمصلحة الوطنية. ومن الصعب إدارة الثروات في ظل نظامٍ يربط كل مورد جديد بحسابات النفوذ لا بحسابات الدولة.
وهنا السؤال الأعمق: هل يستطيع لبنان أن يطوّع ثروته بدل أن تُطوّعه هي؟
التاريخ يُظهر أن الثروة بلا دولة تتحوّل إلى لعنة، والدولة بلا حياد تبقى فريسةً لكل ريح.
وهكذا تتبلور المعادلة الأخطر: نفط في البحر وحياد في القمقم.
الأول يحتاج إلى دولة تحميه، والثاني يحتاج إلى سيادة وثقة ليعيش.
لبنان لن يكون محايدًا فعليًا ما لم يستعد قراره الحر، ولن يكون بلدًا نفطيًا مزدهرًا ما لم يستعد مؤسساته.
الحل لا يكمن في الانسحاب من الصراع، بل في إدارته بعقل بارد ونَفَس طويل. الدولة الممكنة ليست تلك التي تملك كل أدوات القوة، بل التي تعرف كيف توظّف ضعفها بذكاء، وتحول حيادها إلى رصيد استراتيجي، لا شعار على الورق.
وعندما تتوقف الدولة عن انتظار المعجزات، وتبدأ في ترسيخ إدارة رشيدة وعادلة للموارد، يتحول الحياد من عبء إلى حماية، ويتحول النفط من طموح إلى فرصة.
حينها فقط، قد يخرج لبنان من قمقمه الطويل، ليرى أن البحر الذي خاف منه يومًا… كان مرآته لا خصمه.
