| ربى حداد |
لم يمر صيف 2025 على خير في إقليم الخروب. استيقظت قرى الاقليم أمس على رائحة الدخان تتسلّل من بين التلال، كأنّ الجبل يختنق تحت وطأة نارٍ انفلتت من عقالها. في ساعاتٍ قليلة، تمدّد الحريق بين أشجار الصنوبر والزيتون، والتهم مساحاتٍ واسعة. ومع ضعف التجهيزات وتباطؤ استجابة الدولة، وجد الأهالي أنفسهم يقاتلون اللهب بخراطيم المنازل وأدواتٍ بسيطة.
لم تمرّ حرائق صيف 2025 على إقليم الخروب كما مرّت حرائق 2019. المشهد كان متشابهًا من حيث النيران المشتعلة وصرخات الأهالي الملهوفين، لكن الفارق كان في الصدى. عام 2019 تحوّل الحريق إلى حدثٍ وطنيّ ضخم، غطّته وسائل الإعلام على مدار الساعة، واندفع سياسيون وناشطون ووجوه «تغييرية» إلى الميدان، بعضهم بدافعٍ صادق، وآخرون بحثًا عن صورةٍ في لحظة غضبٍ شعبيّ كانت تمهّد لانفجار 17 تشرين.
أمّا في 2025، ورغم أن النار هي نفسها: لا ضجيج. لا كاميرات، لا حملات تضامن، ولا ظهور للنواب والناشطين الذين ملأوا الشاشات عام 2019 بتصريحات حول فشل الدولة والإهمال. اكتفى الناشطون بمنشورات تضامنية، وغابت المبادرات الفردية التي صنعت الفرق في 2019. حتى الجهات السياسية التي كانت تتسابق آنذاك إلى الميدان، لزمت الصمت هذه المرة، بعدما خمدت حرارة الحسابات. «الفرق بين حريق 2019 وحريق 2025 هو المصالح السياسية فقط. حينها هرع الجميع للتصوير والتصريح، واليوم تُركنا وحدنا نطفئ النار بما توفر لدينا، كما يقول رئيس بلدية داريا فادي بصبوص لـ«عكس السير».
الناس هم أنفسهم، والحرائق هي ذاتها، لكنّ الفرق أنّ موسم الاستعراض انتهى. لم تعد الكاميرات تجد في ألسنة النار مادةً تُدرّ نسب مشاهدة، ولا السياسيون وجدوا فيها فرصةً للهجوم أو لتلميع الصورة. تركت النيران وراءها الرماد نفسه، لكنّها هذه المرة لم تترك صدىً في الإعلام ولا في السياسة.
الإعلامية حليمة طبيعة التي غطّت حرائق 2019 واشتهرت عبارتها «المشهد مبكٍ هنا»، تقرّ بأن «المبادرة الفردية» التي قامت بها آنذاك مع زميلتها راشيل كرم بالتوجه الى المنطقة عند الفجر لتغطية الحرائق «غابت اليوم، ربما لأن الحماسة المهنية لدى المراسلين خفتت، ولم يعد أحد يرى في الكارثة حدثًا يستحق السهر والتعب». فيما يبرر أحد قياديّي حراك 2019 الأمر بأن «الشباب اليوم متعب ولذلك لم نشهد مبادرات على أرض الواقع مثل عام 2019».
الناشطة نعمت بدر الدين حمّلت العدوّ الإسرائيلي المسؤولية عن اشتعال الحرائق، ولا سيّما في الجنوب، «إذ لا يوجد أيّ تفسير واضح لهذه الحرائق سوى الغارات الإسرائيلية المباشرة. وبطبيعة الحال، فإنّ أزمة النفايات تُعدّ سببًا أكيدًا في تفاقم انتشار الحرائق». وتشدد على أن «ما نحتاجه فور انقضاء هذه الأزمة المتكررة، أن تكون لدينا خطّة واضحة وميزانية مخصّصة للحدّ من الحرائق وإخمادها. هناك من لا يريد تحميل المسؤوليات للعهد، أي للمنظومة الحاكمة بكل مؤسساتها وحكومتها وإداراتها، وهناك من يئس أصلاً وسئم من جميع المحاولات الرامية إلى إحداث أي تغيير في هذا البلد، إذ إنّ كل الكلام المتداول منذ عشرين عامًا وحتى اليوم لم يُجدِ نفعًا».
في ظل الغياب المتمادي لمؤسسات الدولة، وامتناع الإعلام عن تمديد ساعات عمله ليلًا، تُترك القرى وحيدة في مواجهة ألسنة اللهب، ولا رفيق لها سوى عناصر الدفاع المدني الذين يواجهون النيران بإمكاناتٍ متواضعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
