بعد أكثر من عامين من الفراغ الرئاسي، جاء انتخاب الرئيس جوزيف عون ليعيد شيئًا من التوازن الشكلي إلى المشهد السياسي اللبناني. غير أنّه لم ينجح حتى الآن في تغيير قواعد اللعبة المتجذرة في الحياة السياسية اللبنانية التي أنتجت الانهيار وأوصلت الدولة إلى مرحلة التفكك المؤسساتي. وصوله إلى سدة الرئاسة تزامن مع خطاب قسم طموح، استعاد بعضا من شعارات غابت طويلاً عن وجدان اللبنانيين: بناء دولة القانون، مكافحة الفساد، بسط السيادة، وتحرير المؤسسات من هيمنة المنظومة السياسية–الطائفية. لكنّ الواقع أثبت بسرعة أن الدولة العميقة المتشعبة والمتشابكة، أقوى من أي نوايا إصلاحية مهما كانت صادقة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فالرئيس عون، الآتي من خلفية عسكرية، يتمتع بمصداقية وطنية ليست موضع شك، وهو شخصية لم تتورّط في زواريب النفعية والمحسوبيات، ما منحه رمزية استثنائية ورافعة شعبية نادرة. لكنّ المشكلة لم تكن في خطاب القسم، بل في أدوات التنفيذ. لقد ورث منذ اللحظة الأولى تركة ثقيلة: نظام سياسي مأزوم، اقتصاد منهار، أجهزة مفككة، وشعب فقد ثقته بدولته ومؤسساتها. ومع ذلك، لم يشهد العهد منذ انتخابه اختراقًا فعليًا في أي من الملفات المصيرية والحياتية..
والمفارقة أنه ورغم وضوح خطابه الإصلاحي، لم يدخل الرئيس عون في مواجهة مباشرة مع المنظومة السياسية، بل اختار التعامل معها بمنطق الممكن لا الضروري، وإدارة التوازنات الدقيقة في نظام لم يَعُد يحتمل الحسابات التقليدية. قد يكون هذا النهج مفهوماً في ظل التعقيدات اللبنانية، لكنه يُفقد العهد زخمه السياسي ويجعل مفهوم بناء الدولة مجرّد ورقة في سجل النوايا الإصلاحية. فبناء الدولة لا يُنجَز بتفاهمات ظرفية أو مساومات محدودة، بل من خلال مواجهة مباشرة وغير مترددة مع البنية العميقة للفساد والمحاصصة، مهما كانت الكلفة.
وما يزيد الصورة التباسًا هو أن شريحة متنامية من الرأي العام بدأت تشعر بأن العهد الحالي يسير في المسار نفسه الذي سلكه عهد الرئيس ميشال عون: شعارات كبيرة، ووعود سرعان ما تبخّرت، ومؤسسات بقيت مرتهنة بل ازدادت هشاشة. صحيح أن الشخصيتين تختلفتان في النهج والتموضع، إلا أن النتيجة، حتى الآن، واحدة: انسداد سياسي ومؤسساتي، لا يرقى إلى مستوى التحديات.
الرئيس جوزيف عون لا يزال يمتلك فرصة حقيقية لإعادة تصويب المسار، لكنه بحاجة إلى قرارات جريئة، حتى ولو أدّت إلى صدام مع منطق التسويات المدمّر. عليه أن يخرج من مربع التوازنات نحو منطق الفعل، أن يفكك شلل المؤسسات ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم. أن يدعم القضاء بشكل فعلي، ويطلق ورشة إصلاح بنيوية لا استعراضية. أن يرسم خريطة طريق للإنقاذ الاقتصادي تُبنى على إجراءات واستراتيجيات واقعية، لا على بيانات إعلامية.
وإلا، فإن هذا العهد، رغم صدقيته، سيلتحق بسلسلة العهود التي خذلت اللبنانيين ولم تأتِ بالتغيير المنشود. الفرصة لا تزال قائمة، لكن الأمل أصبح يضيق. والاستدراك اليوم أفضل من الإنكار غدًا.
