في كل موسم احتفال يختلط فيه الفرح بالأمن، يعود السؤال حول قدرة لبنان على احتمال أفراح غيره وأحزانه. فنحن بلد صغير المساحة، محدود الإمكانات، ومع ذلك نحمل على أكتافنا تراكم أزمات ليست كلّها من صناعتنا. من حقّ الشعوب أن تفرح، وأن تحتفل، وأن تخرج إلى الشوارع، لكن من حقّ لبنان أيضًا أن يحمي نفسه، وأن لا يصبح ساحة مفتوحة لتبعات حروب الآخرين ولا لردود أفعال لا يتحمّلها.
منذ عقود، دفع لبنان أثمانًا باهظة عن جيرانه، من فلسطين إلى سوريا، وظلّ يدفع حتى عام 2025. فمنذ أربعينات القرن الماضي، احتضن لبنان موجات اللجوء الفلسطيني، واستقبل أهله في المدارس والقرى والمخيمات، ودفع من اقتصاده وأمنه وسيادته ثمناً لالتزامات إنسانية لم يتراجع عنها رغم هشاشته. ثم جاءت الحرب السورية بعد 2011، ففتح لبنان حدوده من دون تردّد، ليستقبل أكثر من مليون نازح، ويتحمّل ضغطاً ديموغرافياً واقتصادياً وخدماتياً لا قدرة لبلد مثله على احتماله.
وفي قلب هذه التحديات، يقدّم علم الاجتماع تفسيراً ضرورياً لما يجري: فكلّ مجتمع يحتاج إلى حدود ثقافية واضحة كي يحافظ على هويته وقيمه ونُظُمه الاجتماعية. لكن المجتمع اللبناني، بطبيعته المنفتحة، سمح بدخول تغيّرات ضخمة دفعة واحدة:سكانية وثقافية وقيمية؛من دون أن يمتلك آليات حماية كافية. ومع الزمن، تراجع التوازن الاجتماعي، وتهشّمت بعض مكوّنات الهوية الجماعية، وتداخلت عادات وثقافات وسلوكيات لم يستطع اللبناني أن يستوعبها أو يديرها، فانعكس ذلك على تماسكه الاجتماعي وثقافته العامة. إنّ الحفاظ على هوية الشعوب ليس عملاً إقصائياً، بل ضرورة وجودية لأي دولة تسعى إلى استقرارها وبقائها.
ولم تكن التضحيات مجرد أرقام، بل كانت بيوتاً انهارت، مؤسسات تربوية وصحية استنزفت، بنى تحتية تفكّكت، واقتصاداً تراجع تحت ثقل مسؤوليات تتجاوز قدرته. وفي الوقت نفسه، كانت الاحتفالات والانفعالات العابرة للحدود تهزّ استقرار مدنه وقراه، فيما يبقى اللبناني مطالباً بالتحمّل والصمت.
اليوم، في عام 2025، يقف لبنان أمام حقيقة واضحة:
لم يعد قادراً على أن يدفع أثمان الغير، لا بأمنه ولا بأرضه ولا باستقراره. لسنا ضد الفرح، ولا ضد شعوب المنطقة، بل ضد أن يتحمّل اللبناني كلفة لا تخصّه، أو أن يدفع ثمن اندفاعات تحتفل في ساحاته بطرق تعرّضه للخطر.
لقد ضحّى لبنان كثيراً، ومن حقّه الآن أن يحمي ما تبقّى من استقراره وهويته، وأن يقول بوضوح:
احتفلوا في دياركم، ومع أهلكم، واتركوا لبنان يلتقط أنفاسه.
