ليس ما صدر عن الرئيس الصومالي من إعلان القبول بتوطين الفلسطينيين والقبول بإقامة قاعدة إسرائيلية والانخراط في اتفاقيات إبراهام مجرد موقف سياسي عابر أو اجتهاد دبلوماسي يمكن احتواؤه، بل هو تحول خطير في الاتجاه الخاطئ يلامس جوهر القضية الفلسطينية ويصيبها في أحد أكثر مفاصلها حساسية وخطورة.
إن القبول بتوطين الفلسطينيين خارج أرضهم التاريخية لا يمكن تفسيره إلا بوصفه مساهمة مباشرة في مشروع تصفية القضية الفلسطينية، فالتوطين ليس حلا” إنسانيا” كما يحاول البعض تسويقه، بل هو إلغاء لحق العودة وتحويل اللاجئ من صاحب حق تاريخي وقانوني إلى مشكلة ديموغرافية متنقلة تخدم في النتيجة مصلحة الاحتلال الإسرائيلي وحده.
أما القبول بإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على الأراضي الصومالية فيتجاوز حد السيادة الوطنية ليشكل اختراقا أمنيا” واستراتيجيا” بالغ الخطورة، ويفتح المجال أمام تمدد عسكري إسرائيلي في القرن الإفريقي، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن العربي والإسلامي، ولطرق الملاحة الدولية، ولمعادلات الصراع الإقليمي، إذ إن إسرائيل لا تبحث عن شراكات دفاعية، بل عن موطئ قدم يخدم مشروعها التوسعي.
وفي السياق نفسه يأتي الانخراط في اتفاقيات إبراهام ليكرس منطق التطبيع المجاني مع كيان احتلالي عنصري لم يقدم أي التزام سياسي أو قانوني تجاه إنهاء الاحتلال أو وقف جرائمه، بل على العكس يستثمر هذا التطبيع لتعزيز إفلاته من المساءلة الدولية وتحويله من معتد إلى شريك مقبول.
إن أخطر ما في هذه المواقف أنها تصب كلها في اتجاه واحد يجعل من إسرائيل المستفيد الأوحد سياسيا” وأمنيا” واستراتيجيا”، بينما تدفع القضية الفلسطينية الثمن من أرضها وحقوقها وذاكرتها الوطنية، ويتم دفع الشعب الفلسطيني نحو القبول القسري بحلول مفروضة تتناقض مع أبسط مبادئ العدالة الدولية.
ولا يمكن فصل هذه المواقف عن السياق الإقليمي والدولي الراهن، حيث تتعرض فلسطين لحرب مفتوحة وسياسات إبادة وتهجير وتجويع، ومع ذلك يجري التعاطي معها وكأنها ملف قابل لإعادة التوزيع أو الترحيل، وهو منطق يعيد إنتاج الاستعمار بصيغ جديدة وأشد فجاجة.
إن السكوت عن هذا المسار لا يقل خطورة عن المشاركة فيه، لأن القبول الضمني بمشاريع التوطين والتطبيع والتمدد العسكري الإسرائيلي يعني فتح الباب أمام تعميمها وتحويلها إلى وقائع سياسية يصعب التراجع عنها مستقبلا.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى موقف فلسطيني وعربي وإسلامي واضح يعيد تثبيت الثوابت ويرفض أي محاولة للالتفاف على حق العودة أو فرض وقائع جديدة تخدم الاحتلال تحت عناوين زائفة من قبيل السلام أو الاستقرار أو الحلول الواقعية.
ففلسطين ليست عبئا” على أحد، ولا قضية إنسانية تبحث عن ملاذ جغرافي، بل هي قضية شعب وأرض وحق وكرامة، وأي سياسة لا تنطلق من هذا الأساس إنما تصب موضوعيا” في خدمة العدو الإسرائيلي مهما حاول أصحابها تبريرها.
