نشتاق في زحمة الأيّام إلى نسخة قديمة من ذاتنا المنغمسة في هموم الدّنيا، تلك الدّنيا الّتي لا تترك فرصة إلّا وتغرس خنجرها في روحنا التوّاقة إلى الرّاحة، فلا تجدها، وتظلّ تمضي بين خناجر الصّباحات المظلمة، أمّا اللّيل فليس إلّا كوّة تفتح باب الصّلاة، وترفع يديْها مناجاة وطلبًا للرّحمة.
نشتاق في أكثر الأوقات كثافة إلى مكان ليس بالمكان، وإلى زمان مضى فعلًا لكنّه يعيش فينا قوّة عصيّة على الفناء، ولا أظنّ أنّ الأمر يتعلّق بالماضي كزمن أعتقته أرواحنا، لكنّه يتعلّق بماهيّة أحداث هذا الماضي، ولعلّ الإنسان مرهون بذكرياته، تنمو في داخله، وكلّما حاول قلعها أعادت رمي بذورها في صحراء قلبه، فينتعش من جديد.
كنّا أطفالًا نتسابق مع دورة الفلك، نحلم بما نقضيه اليوم من عمر، لكنّنا لم يخيّل إلينا أنّنا سنظلّ هناك، في تلك الأمكنة الّتي تحاصرنا، بل لم يخيّل إلينا أنّنا سنظلّ ندور مع عقارب السّاعة المعلّقة في بيت الجدّ العتيق، ونحن الّذين كنّا نرجو الهروب من هناك، إذ بنا نرجو العودة، فهناك كانت الأشياء أبسط من تعقيدات التّكنولوجيا، فهل يظنّنّ أحد أنّ رسالة ورقيّة بسيطة كانت تمدّنا بالطّاقة لأيّام بل لشهور؟، أو كيف يمكن أن تكون تلك الرّحلة القصيرة إلى البساتين مرورًا بالنّبع المتدفّق أن تترك فينا راحة لوقت طويل؟
نعم! أنا من أنصار الماضي، لا أنكر أنّ التّكنولوجيا قدّمت ما قدّمت من فوائد، لكنّها سرقت أعمارنا، بل إنّها سرقت أوقاتًا لا تعوّض، ولذا نجد أنّنا نشتاق إلى ذاتنا القديمة، ذاتنا البسيطة، الحالمة بهدوء بعيدًا عن الصّخب والضّوء، لا بل إنّنا نشتاق فعلًا لذلك الطّفل الّذي يمرح متنقّلًا بين السّواقي، حاملًا فرحته بين الأزقّة، عابرًا بين العجائز يتلقّى منهنّ دعوات خير.
ما أعجب أمرنا! تسير الأيّام بنا مسرعة، ولكنّنا عالقون هناك، يعذّبنا الحنين، ويحمل إلينا صورنا القديمة تارة على هيئة نسمة باردة تصفع دفء ثباتنا فترديه صريع الاشتياق، وطورًا على هيئة رائحة لا نعرف من أين تأتي إلى دماغنا، فهي لم تعبر أنفنا، لكنّها أخذت مسارًا معاكسًا، فعبرت من دماغنا إلى قلبنا، ثمّ خلقت فينا عبورًا إلى الذّات الأولى، الذّات الّتي لم تتخبّط في صراع الحضارة والمدنيّة.
ما أعند قلوبنا الّتي تتنكّر لواقعها! كيف نقنعها بأنّ الزّمن يمضي مسرعًا ولا يمكننا العودة إلى الماضي؟ كيف نقنع القلب المتّقد بنار الحنين بأنّ الصّور القديمة صارت خيالات عابرة، تشدّنا إلى صدقها، تقدّم إلينا بعضًا من أثر براءتها كي لا تلوّثنا الأيّام بقذارتها؟ لا أظّنّي أملك إجابة مقنعة، فأنا لا أزال أتّكىء على صورة الطّفلة الّتي تناديني كي أسرح وأتنقّل هنا وهناك، تلك الطّفلة الّتي لم تكن تخشى شيئًا، إلّا أنّ صورتها الحديثة تخشى كلّ شيء.
ليس الحنين في ماهيّته إلّا السّوط الّذي يجلد روحنا فيترك ندبوًا لا تزول، ليس الحنين في الجوهر إلّا القشّة الّتي لا نزال نتعلّق بها كي ننجو من عتمة الحاضر، وظلمة المستقبل، أمّا أنا فلست بناجية منه، ولا أريد أن أنجو، لأنّني لا أزال أبحث عن ذاتي في دروب الشّمس، أحمل قلبي كي لا يذوب ألمًا، وأدور به بين عام وآخر، أرفده بالذّكريات، لا أريد أن أنجو من الذّكريات لأنّها الشيء الوحيد الّذي يعينني على النّجاة من فوضى الحاضر.
ها أنا ذا أسمع صوتي هناك، أعيد شريط الحبّ، أفتح بابًا للصّور المنسيّة، أرفع من عمري قربانًا للغد، حتّى صرت مسكونة بالذّكريات، أناضل كي تبقى حيّة، أسعفها بين الفينة والأخرى، أطعمها من نار شوقي، ثمّ أفتح لها نافذة على ذاتي، لأنّني أريد لذاتي أن تبقى على حالها، أقصد أن تبقى على صدقها، أحتاج إلى صورة الذّات التّرابيّة، لذا أقهر ذاتي الحاضرة بحنيني إلى ذلك الزّمن، وأفرض عليها أن تحاكيها في كثير من أجزائها، فأنا لا أريد لقلبي أن يستحيل صحراء قاحلة، بل إنّني لا أريد لقلبي أن يكسوه غبار الزّمن، وأنّ لا يشقّ صدري فراغ الحياة وما يعتريه من تجويف وسطحيّة تغيّب الطّمأنينة، وتقتل فينا آخر نبضات السّلام الدّاخليّ.
