صرخة “أزمة ضمير” بوجه الحكومة: اتهامات لوزارة التربية بـ”العقاب الجماعي” للنازحين
كتب رئيس بلدية الصرفند علي حيدر خليفة:
إنّ معاقبة الناس على خلفية مواقف سياسية أو انقسامات داخلية ، إن حصلت ، تُعدّ انحرافًا خطيرًا عن منطق الدولة الجامعة
في وطنٍ يُفترض أن تكون فيه الدولة مظلّةً لا سيفًا ، وملاذًا لا متراسًا، يجد النازحون من جنوب لبنان أنفسهم عالقين بين نار الحدث ونار الإهمال….
فمع تصاعد التوترات الأمنية في الجنوب ، اضطرّت مئات العائلات إلى ترك منازلها وأرزاقها ، بحثًا عن أمانٍ مؤقت في مناطق أخرى ؛ غير أنّ الصدمة لم تكن فقط في الرحيل القسري ، بل في تقصير الوزارات المعنية عن أداء واجبها الإنساني والوطني….
إنّ مسؤولية رعاية النازحين ليست منّةً ولا خيارًا سياسيًا ، بل هي التزام دستوري وأخلاقي ؛ وعندما تُغلق أبواب المدارس في وجه عائلات تبحث عن سقفٍ يحمي أطفالها ، فإننا لا نكون أمام قرار إداري عابر ، بل أمام أزمة ضمير…
فالمدارس الرسمية في لبنان وغيرها من المؤسسات العامة ، تاريخيًا ، شكّلت ملاذًا في المحن ، واحتضنت اللبنانيين في الحروب والكوارث ، فكيف يُتّخذ قرار بعدم فتحها في وجه أبناء الجنوب اليوم ؟
إنّ قرار وزيرة التربية بعدم فتح كافة المدارس لاستقبال النازحين وإقتصارها على عدد قليل منها يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات الدولة في إدارة الأزمات . فالمدرسة ليست مجرد صفوف تعليمية ، بل مساحة عامة تموَّل من المال العام ، وواجبها أن تكون في خدمة المجتمع عند الشدائد….
كان بالإمكان تنظيم العملية داخل الحكومة نفسها عبر خطط طوارئ مفترضة ، التنسيق مع البلديات والمنظمات ، ووضع آلية تحفظ كرامة النازحين وحقوق الطلاب في آنٍ معًا ؛ أما التعاطي الحاصل ، فهو رسالة سلبية تزيد من شعور المواطنين بالتخلّي ….
الأخطر من ذلك هو محاولة ربط المعاناة الإنسانية بالسجالات السياسية الدائرة حول مسألة تسليم السلاح وموقع المقاومة في المعادلة الوطنية ؛ إنّ معاقبة الناس على خلفية مواقف سياسية أو انقسامات داخلية ، إن حصلت ، تُعدّ انحرافًا خطيرًا عن منطق الدولة الجامعة …
فالدولة ، إن كانت فعلًا دولة ، لا تميّز بين مواطنيها على أساس خياراتهم السياسية ، ولا تجعل من الخدمات العامة أداة ضغط أو ابتزاز …
لقد عبّر رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة عن حرصه على حماية الاستقرار الداخلي ، لكن الاستقرار لا يُبنى بترك العائلات في العراء ، ولا بتغليب الحسابات السياسية على الواجبات الإنسانية ….
المطلوب موقف حكومي واضح يؤكد أن أي خلاف حول سلاح المقاومة أو أي ملف سيادي آخر ، لا يجوز أن ينعكس عقابًا جماعيًا على المدنيين ، ولا أن يُترجم إهمالًا في إدارة ملف النزوح …
إنّ الجنوب ليس هامشًا في الجغرافيا اللبنانية ، بل هو قلبٌ دفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن ؛ وأهله ليسوا ورقة تفاوض ولا تفصيلًا في صراع داخلي ؛ حين يطرقون أبواب المدارس ، فإنهم يطرقون باب الدولة نفسها ، فإن أُغلق في وجوههم ، فماذا يبقى من فكرة الدولة ؟
المطلوب اليوم تحرّك عاجل من مجلس الوزراء لإعادة النظر في قرار وزارة التربية ، ووضع خطة طوارئ شاملة تشارك فيها وزارات الشؤون الاجتماعية ، والداخلية ، والصحة ، إلى جانب التربية ، لضمان إيواء لائق يحفظ الكرامة الإنسانية ؛ كما أن على الحكومة أن تؤكد بوضوح أن حقوق المواطنين الأساسية لا تخضع للمساومة السياسية ، وأن الخلاف حول السلاح أو أي مسألة استراتيجية لا يبرر التخلي عن أبسط الواجبات تجاه الناس ….
في لحظات الأزمات تُختبر الدول ، لا بخطبها ، بل بأفعالها ؛ فإما أن تكون الدولة إلى جانب شعبها حين تضيق به الأرض ، وإما أن تتركه وحيدًا في مواجهة مصيره ؛واللبنانيون اليوم ينتظرون أفعالًا ، لا تبريرات ….
