في كل حربٍ يخوضها العدو، تكون له أدواته الواضحة: نار، قصف، تدمير، وضغط ميداني. لكن حين تفشل هذه الأدوات في تحقيق الأهداف، يبدأ التحوّل إلى ساحةٍ أخطر: ساحة العقول. وهنا تحديداً، يمكن قراءة الخطاب الذي يخرجه الناطق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، ليس ككلامٍ إعلامي عابر، بل كجزءٍ من استراتيجية تعكس مأزقاً عسكرياً حقيقياً.
فالدولة التي كانت تراهن على الحسم السريع، وعلى كسر إرادة اللبنانيين بالقوة، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة: قدرة على الإيذاء موجودة، لكن قدرة على الحسم غائبة. ومن هنا، يبدأ البحث عن “نصر بديل” لا يُنتزع من الميدان، بل يُصنَع داخل المجتمعات المستهدفة.
الرسائل التي تُوجَّه اليوم إلى اللبنانيين ليست بريئة. هي لا تستهدف ساحة القتال، بل الوعي الجماعي. تحاول إعادة صياغة العدو، قلب الحقائق، وزرع الشك بين الناس، وكأن المطلوب أن يقوم اللبنانيون بما عجز عنه العدوان: تفكيك أنفسهم بأيديهم.

حين يتحدث العدو عن “تحرير الفكر” و”مستقبل أفضل”، فهو لا يقدّم نصيحة، بل يفتح معركة من نوع آخر: معركة على الهوية، على الرواية، وعلى تعريف من هو العدو ومن هو الحليف. وهذه أخطر من أي صاروخ، لأنها إن نجحت، تُسقط الجبهة من داخلها دون طلقة واحدة.
لكن التجربة اللبنانية، رغم كل ما مرّت به، أثبتت أن هذا الرهان ليس جديداً. من الحرب الأهلية إلى كل محطات الضغط الخارجي، كان الانقسام دائماً الهدف الأول، لأنه الطريق الأقصر إلى الانتصار المجاني. ومع ذلك، كل مرة كان هناك من يُفشل هذا المخطط، لأن الوعي الشعبي كان أقوى من محاولات التضليل.
اليوم، يعود المشهد نفسه لكن بأدوات رقمية وخطاب “ناعم”. عدوٌّ يلوّح بالكلمات بعدما عجز عن فرض الوقائع، ويبحث عن شرخٍ داخلي يعوّض به إخفاقاته. فحين لا يستطيع أن يهزمك
في الميدان، يحاول أن يجعلك تهزم نفسك.
فهل نمنحه اليوم ما عجز عن انتزاعه بالحرب… ونقدّم له
انتصاراً مجانياً من داخلنا؟
