في زمنٍ يتقاطع فيه عيد الأم مع أجواء عيد الفطر ، تختلط مشاعر الفرح بالوجع، ويصبح للعيد معنى مختلف في ظلّ الحرب الدامية التي يخوضها شباب المقاومة بعيدًا عن أمهاتهم وأطفالهم. ففي الوقت الذي تجتمع فيه العائلات بمناسبة عيد الفطر ، هناك قلوب معلّقة على الغياب، وأمهات ينتظرن وجوهًا قد لا تعود.
لعلّ أقسى ما يمكن أن تمرّ به الأم، هو فقدان ولدها، فلذة كبدها وقرة عينها، حين تزفّه شهيدًا وتشيّعه على الأكتاف. لحظة تختصر الألم كله، وتختبر فيها الأم صبرًا يفوق الوصف.
الجميع يدرك أن أم الشهيد تحزن وتبكي وتتألم كأي أم، لكن ما لا يراه الآخرون هو أن هذا الألم يبقى حبيس القلب. لا يظهر منها سوى ابتسامة ممزوجة بالفخر، ولا يُسمع منها إلا كلمات الرضى عن ابنها، واستذكار وصاياه وكلماته الأخيرة في حب الوطن. تبكي في خلوتها، وتكتم وجعها، لتتحول إلى مثالٍ حيّ للصبر والقوة.
أمهات الشهداء لسن مجرد أمهات، بل هنّ رمز للتضحية والعطاء، قدّمن أغلى ما يملكن ليبقى الوطن حيًا. صبرهنّ دروس للعالم، وقصصهنّ آيات تُروى عن الإيمان والثبات.
في عيد الأم، تبدو صور هؤلاء الأمهات مختلفة؛ فالعيد بالنسبة لهن ليس زينة واحتفالًا، بل ذكرى تختلط فيها الدموع بالكبرياء. هنّ روح العيد الحقيقية، وجوهره العميق، حيث يتحوّل الفقد إلى معنى سامٍ، والتضحية إلى نور.
وستبقى أمهات هذا الوطن منبع الأبطال، يربين أجيالًا تعرف معنى الفداء والانتماء. هنّ النور الذي يبدد العتمة، والنبراس الذي يضيء طريق الكرامة، يشرقن مع كل صباح، ليمنحن الحياة معنى العزة والبركة.
وفي عيد الأم، يبقى السؤال حاضرًا: كيف تعيش أمهات شهداء الوطن هذه المناسبة؟ سؤال يحمل في طيّاته الكثير من الألم، والكثير من الكبرياء، وربما إجابة واحدة تختصر كل شيء: هنّ يصنعن من الحزن قوة، ومن الفقد حياةً لوطنٍ لا يموت.
