“هندسة الصراع المحسوب: هل صُممت الحرب بين واشنطن وطهران لتُدار أم لتُحسم؟”
كتب المهندس علي حيدر خليفة :
الحروب الكبرى لا تبدأ فجأة بل تتسرب كفتحة في جدار متهالك ثم تتسع ببطء حتى تتحول إلى واقع لا يمكن إنكاره …
وما كان يقرأ قبل أسابيع كإحتمال مفتوح بات اليوم حقيقة قائمة :
الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من جهة أخرى دخلت شهرها الأول فعليا وإن ظلت تدار بأدوات محسوبة وتحت سقوف مدروسة …
هذه الحرب لا تشبه الحروب الكلاسيكية فلا جبهات واضحة ولا إعلان صريح بل نمط جديد يمكن وصفه بالهندسة الصراعية حيث توزع المواجهة على ساحات متعددة فيما يبقى الهدف الاستراتيجي موحدا …
فمنذ الأيام الأولى بدا واضحا أن الطرفين يتجنبان المواجهة الشاملة ليس غيابا للأسباب بل إدراكا بأن كلفتها خرجت عن حدود السيطرة …
لقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري لا يكفي لحسم الصراع وأن الانخراط المباشر قد يتحول إلى استنزاف طويل بينما طورت إيران نموذجا مختلفا يقوم على تفكيك الحرب وتوزيع أدواتها بحيث لا تكون المواجهة محصورة بجغرافيا واحدة …
في هذا السياق تكرس خلال الشهر الأول ما يمكن تسميته بتوازن ردع هش …
الولايات المتحدة تمتلك تفوقا عسكريا وتقنيا هائلا لكنها محكومة بحسابات الكلفة السياسية والاقتصادية …
في حين تمتلك إيران قدرة متقدمة على فرض كلفة استراتيجية مؤلمة وإعادة تشكيل مسار الاشتباك عبر أدوات غير تقليدية وامتداد إقليمي واسع …
هذا التوازن لا يمنع الحرب بل يعيد تشكيلها :
تصعيد محسوب بلا حسم وضربات مدروسة بلا انفجار شامل …
ولم تقتصر المواجهة على البعد العسكري بل برز الاقتصاد منذ اللحظة الأولى كساحة حرب موازية ….
فالعقوبات والضغوط المالية تستخدم كبديل جزئي عن المواجهة المباشرة إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن هذا النوع من الأدوات لا يؤدي إلى انهيار سريع بقدر ما يخلق استنزافا طويل الأمد …
وفي المقابل فإن أي اضطراب كبير في مناطق الطاقة الحيوية لن يبقى محصورا بأطراف الصراع بل سينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره ما يجعل هذه الحرب أوسع من حدودها الجغرافية ….
انطلاقا من هذه المعطيات يبدو أن المسار الأرجح هو استمرار التصعيد المضبوط حيث تبقى المواجهة ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة دون أن توقف التوتر …
ومع ذلك يبقى خطر الانفجار غير المقصود قائما فالتاريخ مليء بحروب اندلعت نتيجة خطأ في الحسابات أو تجاوز غير محسوب للخطوط الحمراء …
أما على المدى الأبعد فقد تفرض الوقائع نوعا من التسوية القسرية بعد استنزاف الأطراف تعيد ترتيب موازين النفوذ دون أن تنهي جذور الصراع …
التجارب التاريخية تظهر أن الحروب التي لا تحسم تتحول مع الوقت إلى نمط دائم من الصراع كما حدث في الحرب الباردة وغيرها …
وما نشهده اليوم قد يكون بداية ترسيخ هذا النموذج في الشرق الأوسط :
لا حرب شاملة تنهي المواجهة …
ولا سلام حقيقي ينهي التوتر …
بعد شهر على اندلاعها تبدو هذه الحرب وكأنها صممت لتدار لا لتحسم …
تخاض بطائرات مسيرة وعمليات دقيقة وضغوط اقتصادية أكثر مما تخاض بجيوش تتقدم على الأرض …
إنها حرب بعقل بارد وأصابع مرتجفة حيث لا يكون السؤال من ينتصر بل من يستطيع أن يتحمل الخسارة أطول وقت ممكن دون أن ينهار …
